بعض الاساليب الحربية التي أوصى بها أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه أيام صفين.

مقالات وبحوث

بعض الاساليب الحربية التي أوصى بها أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه أيام صفين.

بعض الاساليب الحربية التي أوصى بها أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه أيام صفين.

 

الباحث: م.م. عماد طالب موسى

الحمد لله الذي جعل العلم للعلماء نسبا، وأغناهم به وإن عُدموا مالا ونسبا، والصلاة والسلام على محمد المصطفى وآله الطاهرين معدن العلم النجباء. أما بعد:

 

فاستكمالا للمقالة السابقة التي شرعنا فيها ببيان بعض فنون الحرب عند أمير المؤمنين عليه السلام والتي تحمل العنوان نفسه، نذكر الآن بعض وصاياه للمقاتلين التي وردت في إحدى خطبه في صفين، و وصلنا إلى قوله عليه السلام: ((وَعَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلْسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَأَكْمِلُوا اللاَّمَةَ، وَقَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا، وَالْحَظُوا الْخَزْرَ، وَاطْعُنُوا الشَّزْرَ، وَنَافِحُوا بِالظُّبَا، وَصِلُوا السُّيُوفَ بَالْخُطَا))([1])

 

3-  قال (عليه السلام): (وعضّوا على النّواجذ، فإنّه أنبى للسّيوف عن الهام):

قوله (عليه السلام): (عضوا على النواجذ)، والنواجذ جمع ((نجذ: النَّواجذ: أَقصى الأَضراس، وَهِيَ أَربعة فِي أَقصى الأَسنان بَعْدَ الأَرْحاءِ، وَتُسَمَّى ضِرْسَ الحلُم لأَنه يَنْبُتُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَكَمَالِ الْعَقْلِ؛ وَقِيلَ: النَّوَاجِذُ الَّتِي تَلِي الأَنْيابَ، وَقِيلَ: هِيَ الأَضراس كُلُّهَا نواجِذُ. وَيُقَالُ: ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ إِذا اسْتَغْرَقَ فِيهِ ))([2])، ويقال إنّ العاض على نواجذه ينبو السيف عن هامته نبواً، وهذا ممّا يساعد التعليل الطبيعي عليه، وذلك أنّه إذا عض على ناجذه تصلبت الأعصاب والعضلات المتصلة بدماغه، وزال عنها الاسترخاء، فكانت على مقاومة السيف أقدر، وكان تأثير السيف فيها أقل وصرح بعض شرّاح البلاغة قائلاً: هذا كلام ليس على حقيقته، بل هو كناية عن الأمر بتسكين القلب وترك اضطرابه واستيلاء الرعدة عليه([3]).

 

4-  ثم قال(عليه السلام): (و أكملوا اللاَّمة).

 ومعنى ((اللأمة، مَهْمُوزَةً: الدرعُ، وَقِيلَ: السِّلَاحُ. ولَأْمَةُ الْحَرْبِ: أَداتها، وَقَدْ يُتْرَكُ الْهَمْزُ تَخْفِيفًا. وَيُقَالُ لِلسَّيْفِ لَأْمَة وَلِلرُّمْحِ لَأْمَة، وإِنما سُمِّيَ لَأْمةً لأَنها تُلائم الْجَسَدَ وَتُلَازِمُهُ؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اللَّأْمة الدِّرْعُ الحصِينة، سُمِّيَتْ لَأْمة لإِحْكامِها وَجَوْدَةِ حلَقِها))([4])، ولعل الإمام(عليه السلام)أراد بهذه العبارة: أكمل السلاح الذي تحاربون العدو به.

 

5-  ثم قال(عليه السلام): (وقلقلوا السّيوف في أغمادها قبل سلّها)

فالعبارة تنطوي على أهمية قصوى وان بدت صغيرة للوهلة الاولى، وذلك لئلا يدوم  مكث السيوف  في أغمادها فيصعب سلها وقت الحاجة إليها، الأمر الذي قد يؤدي إلى بعض الأخطار التي لا يمكن معالجتها في ساحة الحرب.

 

6-  ثم قال(عليه السلام): (و الحظوا الخزر)

الخزر من ((خزر: الخَزَرُ، بِالتَّحْرِيكِ: كسْرُ الْعَيْنِ بَصَرَها خِلْقَةً وَقِيلَ: هُوَ ضِيقُ الْعَيْنِ وَصِغَرُهَا، وَقِيلَ: هُوَ النَّظَرُ الَّذِي كأَنه فِي أَحد الشِّقَّينِ))([5]) بأن ينظر الإنسان بعينه، وكأنّه ينظر بمؤخرها وهى أمارة الغضب، كما تستعمل أحياناً حين عدم الاكتراث، وفائدة مثل هذا الاُسلوب في ميدان القتال:

 

 أولاً: إشعال وتأجيج نيران الغضب في الباطن بحيث تشحذ كافة القوى الداخلية وتتضاعف طاقة الإنسان وقدرته.

 

 والآخر: أن النظر بكامل العين يدل على الخوف والوهن والعجز، الأمر الذي يجعل العدو أكثر جرأة وجسارة([6]).

 

7- (واطعنوا الشّزر).

 الشزر من ((شزر: نَظَرٌ شَزْرٌ: فِيهِ إِعراض كَنَظَرِ الْمُعَادِي الْمُبْغِضِ، وَقِيلَ: هُوَ نَظَرٌ عَلَى غَيْرِ اسْتِوَاءٍ بِمؤْخِرِ الْعَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ النَّظَرُ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ[عليه السلام]: الْحَظُوا الشَّزْرَ واطْعُنُوا اليَسْرَ؛ الشَّزْرُ: النَّظَرُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمِ الطَّرِيقَةِ، وَقِيلَ: هُوَ النَّظَرُ بِمُؤَخَّرِ الْعَيْنِ، وأَكثر مَا يَكُونُ النظرُ الشَّزْرُ فِي حَالِ الْغَضَبِ...وذلك مِنَ البَغْضَةِ والهَيْبَةِ))([7])، ولعل الإمام(عليه السلام) أراد سلب إحساس العدو بالأمن فيما إذا تركزت ضربات المجاهدين على جانب واحد، كما يتأهبوا لتسديد الضربات الاجهاضية، فالواقع إنّ مثل هذه العبارات تكشف مدى خبرة الإمام(عليه السلام) بفنون القتال وخطط الحرب.

 

 8-  (ونافحوا بالظّبا).

المُنافَحة والمُكافَحة: المُدافعة والمُضاربة. ونَفَحْتُ الرجلَ بِالسَّيْفِ: تَنَاوَلْتُهُ بِهِ؛ يُرِيدُ بِمُنَافَحَتِهِ هِجَاءَ الْمُشْرِكِينَ وَمُجَاوَبَتَهُمْ عَلَى أَشعارهم. ومنه قول الإمام  عَلِيٍّ عليه السلام (نافِحوا بالظُّبا) أَي قَاتِلُوا بِالسُّيُوفِ، وأَصله أَن يَقرُبَ أَحد الْمُقَاتِلِينَ مِنَ الْآخَرِ بِحَيْثُ يَصِلُ نَفْحُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلى صَاحِبِهِ، وَهِيَ رِيحُهُ ونَفَسُه. ونَفْحُ الرِّيحِ: هُبوبها. ونَفَحه بِالسَّيْفِ: تَنَاوَلَهُ مِنْ بَعِيدٍ شَزْراً([8])، وهو كناية عن شدة الاقتراب من العدو، والظبا طرف السيف وحده، والمراد كافحوا وضاربوا.

 

9-  (وصلوا السّيوف بالخطا).

والمراد بقوله(عليه السلام): (صلوا السّيوف بالخطا) أنّ اليد قد لا تكفي أحياناً لضرب العدو بالسيف ولابدّ من التقدم بضع خطوات والضرب بالسيف. وهذا ما يكشف عن مدى خبرة الإمام(عليه السلام) ومراسه للحرب([9]).

الهوامش:

([1])نهج البلاغة، صبحي الصالح: 104.

([2])-  لسان العرب، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (المتوفى: 711هـ)، دار صادر – بيروت، ط3، 1414 هـ: 3/ 513.

([3]) ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد: 5/ 169.

([4]) لسان العرب: 12/ 532.

([5]) لسان العرب: 4/ 236.

([6]) ينظر: نفحات الولاية في شرح نهج البلاغة: 3/ 57.

([7]) لسان العرب: 4/ 404.

([8]) لسان العرب: 2/ 623- 624.

([9]) ولعل هنالك من يقول أن تعلم فنون القتال إنّما يؤدي إلى سفك المزيد من الدماء، الأمر الذي أكد عكسه في الوصايا والتعاليم الإسلامية ولا سيما الاوامر الحربية، حيث تحرص هذه التعاليم على الدماء وتدعو إلى الحد قدر المستطاع من سفك الدماء. والجواب إنّ ما ورد في هذه الخطبة أمّا يمثل الامتداد الطبيعي لتلك التعاليم، لأنّ المقاتل إذا ألمَّ بأساليب القتال وفنونه أمكنه تحقيق النصر الخاطف السريع على العدو بأقل التضحيات. أضف إلى ذلك فان العدو إذا وقف على قدرة الخصم ومهارته في فنون القتال واستماتته من أجل الأهداف الإسلامية قد يركع ويستسلم فيرجح السلام على الحرب، الأمر الذي يحسم المعركة ويقلل من سفك الدماء، ينظر: نفحات الولاية في شرح نهج البلاغة: 3/ 65..

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.0933 Seconds