أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بين الآهات والواهات (قراءة في نهج البلاغة - آهاته من مقارنة أصحابه بأصحاب معاوية) (4):

161 2019-02-12


أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بين الآهات والواهات

(قراءة في نهج البلاغة - آهاته من مقارنة أصحابه بأصحاب معاوية) (4):

 

عمَّار حسن الخزاعي:

 

الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّد وآله الطاهرين

 

من المصائب التي أوجعت قلب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وجعلته يزفر بالآهات والواهات هو الفارق الكبير بين أصحابه وأصحاب معاوية، فعلى الرغم من أحقيَّة جبهة أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلِّ شيء وباطل صفِّ معاوية في كلِّ شيء، إلَّا أنَّ معاوية عنده أُناس مطيعين له موطِّنين أنفسهم لخدمته وخدمة مشروع بني أمية، باذلين أنفسهم في ذلك. وأمَّا أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) فكانوا على الرغم من قوَّتهم وصحَّة نهج قائدهم وسلامة موقفهم إلَّا أنَّهم رضوا بأن يكونوا متفرقين مشتتين مغلوبين، وذلك كُلِّه نتيجة خذلانهم لقائدهم وإمامهم .

 

ومن هنا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يتنفَّس الآهات والواهات جرَّاء ما أصابه الفارق الكبير بين تعامل أصحابه معه وبين تعامل أهل الشام مع معاوية، وقد ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) جملة من المقارنات بين أصحابه وأصحاب معاوية ومن ذلك ما ورد عنه حين تواترت عليه الاَخبار باستيلاءِ أصحاب معاوية على البلاد، وقدم عليه عاملاه على اليمن، وهما عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران، لمّا غلب عليها بُسْرُ بن أبي أَرْطَاة، فقام (عليه السلام) إلى المنبر ضجراً بتثاقل أَصحابه عن الجهاد، ومخالفتهم له في الرأْي، فقال: ((أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الَيمنَ، وَإِنِّي وَاللهِ لأَظُنُّ هؤُلاءِ القَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِماعِهمْ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ في الحَقِّ، وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ في البَاطِلِ، وَبِأَدَائِهِمُ الأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَخِيَانَتِكُمْ، وَبِصَلاَحِهمْ في بِلاَدِهِمْ وَفَسَادِكُمْ، فَلَو ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْب لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاَقَتِهِ))([1]) .

 

فأمير المؤمنين (عليه السلام) يوضِّح لأصحابه نقاط القوة عند معاوية الذي كاد أن يُهزم في صفِّين لولا خدعة التحكيم، واليوم أصبح يغير على الولايات التي تحت سيطرة أمير المؤمنين (عليه السلام) ويقتل شيعته ويستولي عليها بالقوة والإكراه، وما ذلك إلَّا لأنَّه مجتمعين متكاتفين طائعين لقيادتهم التي يمثُّلها معاوية، وكذلك أمانتهم له في الولاء، مضافًا إلى ذلك صلاحهم في بلادهم، وهذه الأمور كانت تمثِّل نقاط قوَّتهم.

 

أمَّا أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) فكانوا عكس القوم تمامًا عاصين لإمامهم، متفرقين فيما بينهم، خائنين لقيادتهم، فاسدين في تعاملاتهم، إلَّا ما رحم ربِّي. وهذا الأمر نجد له شبيه في عصرنا الحاضر إذ نجد المسلمين وخصوصًا العرب على الرغم من قوتهم العددية والمكانية المتمثِّلة بامتداد بلادهم من الشرق والغرب، وسيطرتهم على أغنى الأماكن في العالم إلَّا أنَّهم مغلوبين مقهورين تُغتصب أراضيهم عيانًا ولا يُحركون طرف عين، وتُقتل رجالهم، وتُسبى نسائهم، وتُنهب خيراتهم أمام الأنظار، وأمَّا العالم الغربي فإنَّه على الرغم من بعده عن الله تعالى إلَّا أنَّه يعيش حياةً مترفة بقوَّةٍ متماسكة، وما ذلك إلَّا لأنَّه مجتمعين متصالحين فيما بينهم وصُلحاء في تعاملاتهم، ولذلك أعطاهم الله تعالى ما هم عليه الآن . أمَّا المسلمون فهم استحقُّوا ما بهم لتفرقهم وقتال بعضهم بعضًا وفسادهم في تعاملاتهم مع بعض.

 

ثمَّ إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يُكرِّر المعنى السابق في كلماتٍ أُخرى يُطلقها بعد أن يمزجها بآلامه وآهاته؛ لأنَّ أكثر ما يؤلم القائد عندما يبتلي بقاعدة عاصية متفرقة فاسدة بعكس قاعدة خصمه وهنا تبدأ الحسرات: ((لَبِئْسَ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ! تُكَادُونَ وَلاَ تَكِيدُونَ، وَتُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلاَ تَمْتَعِضُونَ، لاَ يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ في غَفْلَة سَاهُونَ، غُلِبَ وَاللهِ الْمُتَخَاذِلُونَ! وَأيْمُ اللهِ إِنِّي لأَظُنُّ بِكُمْ أنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى، وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِب انْفِرَاجَ الرَّأْسِ))([2])

 

هكذا كانت المقارنة بين أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين أصحاب معاوية على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكان مصدر الآهات والواهات هو طاعة أصحاب معاوية وأمانتهم له واجتماعهم تحت لوائه، يُقابله تفرُّق أنصار أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عنه وعصيانهم له، حتَّى أدَّى بهم أن ينتصر عليهم معاوية فيما بعد ويملك زمام أمورهم.

 

ويصل الأمر بأمير المؤمنين (عليه السلام) من الشجن والحزن والآلام بسبب خذلان أصحابه أن يتمنَّى استبدال أصحابه بأصحاب معاوية يُبدله، ولكن ليس على أن يكون فردًا بفرد؛ بل بكلِّ عشرة من أصحابه فرداً من أصحاب معاوية، وهنا يكمن عظيم الرزايا والآهات، وقد عبَّر عن هذا المعنى بقوله: ((أَيُّهَا الشَّاهِدةُ أَبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، الْـمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، المُبْتَلَى بِهمْ أُمَرَاؤُهُمْ، صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ، لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَني بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ، فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةً مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ))([3]) .

 

لاقى أمير المؤمنين (عليه السلام) من أصحابه أشدَّ الآلام والحسرات، وما مقارناته مع أصحاب معاوية إلَّا من أجل أن يهزَّ بقايا ضمير الوجدان لدى أصحابه إن بقيت عندهم شيء من تلك البقايا، وكذلك أراد أن يُبيِّن للتاريخ عظم مصابه وابتلائه بأُناسٍ همج رعاع لا يفقهون من الإيمان إلَّا ما يدور مع مصالحهم وأهوائهم ...

الهوامش:

([1]) نهج البلاغة: 59 – 60

([2]) نهج البلاغة: 77

([3]) المصدر نفسه: 186 .

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك