الحقوق السياسية للرعيَّة على الحاكم في فكر أمير المؤمنين (عليه والسَّلَام) [1] حق التَّعبير عن الرأي واحترمه أنموذجًا

مقالات وبحوث

الحقوق السياسية للرعيَّة على الحاكم في فكر أمير المؤمنين (عليه والسَّلَام) [1] حق التَّعبير عن الرأي واحترمه أنموذجًا

348 مشاهدة

الباحِث: سَلَام مَكِّيّ خضيّر الطَّائِي.
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاةُ والسَّلَامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمُرسلين، أبي القاسمِ مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرين، واللعن الدَّائِم على أعدائِهم أجمعين إلى قيامِ يوم الدِّين...
أما بعد
فإنَّ الحياة السَّياسيَّة في ظل عهد الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) قد ازدهرت ازدهارًا غير مسبوقٍ في عهد غيره، فوضع (عليه السَّلَام) الأطر الأساسيَّة في إدارة الدَّولة الإسلاميَّة، من ضمنها: ضمان حقوق الفرد من الجوانب كافة لا سيما السّياسيَّة، فأكَّد (عليه السَّلَام) على حق الفرد في إبداء رأيه السَّياسي ومنح له حريَّة التَّعبير عن معتقداته وأفكاره السّياسيَّة في ظل جو من الأمن واحترام الرَّأي الآخر وحثّه على ذلك[1]، فروي عنه (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) إنَّه قال: (أيها النَّاس، أنا أحب أن أشهد عليكم أن لا يقوم أحد فيقول: أردت أن أقول فخفت، فقد أعذرت فيما بيني وبينكم)[2].
 فعلى الحاكم أن يتقبَّل النقد من الرَّعيَّة في إدارته للبلاد على الصَّعيد السَّياسي والاقتصادي والعلمي والمعرفي وحتى الاجتماعي، وأن يكون الحاكم أُذنًا صاغية ليسمع رأي رعيَّته ونقدهم لسياسته، ويجب عليه احترام رأيهم ويضمن لهم تحقيق مطالبهم، فإنَّ الإمام عَلِيًّا (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) كان يأمر عمَّاله وولاته بإيجاد روح النّقد وتغذيتها وحرية الرأي واحترمه، لأنّها من الرَّكائز الرَّئيسة في تربية الأُمة وتوعيتها، ويحثَّهم (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) أيضًا أن يتعاملوا مع الرَّعيَّة على أساس العدل والإنصاف لا على أساس الظّلم والجور، فهذه رسالته (عليه السَّلَام) إلى واليه عبد الله بن العبَّاس، حول صيغ التَّعامل مع الأُمَّة في عصر دولة الإمام وتطبيق تعاليم الإسلام قائلاً[3]: (أتاني كتابك تذكر ما رأيت من أهل البصرة بعد خروجي عنهم، وإنما هم مقيمون لرغبة يرجونها أو عقوبة يخافونها، فارغب راغبهم واحلل عقدة الخوف عن راهبهم بالعدل والإنصاف له إن شاء الله)[4].
تعد حرية الكلمة والتَّعبير عن الرَّأي في نظر الإمام (عليه الصَّلَاة السَّلَام) جزءاً من مسؤولية الإنسان، وهذا الاستحقاق يتطلب شروط عدة، لإطلاق الآراء والأحكام، فمنها: لا بدّ لمن يرغب في التَّعبير عن رأيه في أداء الحاكم أو أسلوب إدارته أن يكون مراعيًّا حدود الله تعالى، وأن لا يتكلّم بغير كلمة الحق، وأن يكون الكلام الذي يصدر من الفرد ويريد به أن ينتقد سياسة الحاكم في محلّه، ويصبّ في مصلحته ومصلحة الجميع ويضمن حقوقه وحقوقهم، ويريد بكلامه ورأيه إصلاح حال سياسة الحاكم وأسلوبه، لا فقط قلقة لسان وخلق فوضى ورفع شعارات مزيَّفة، ممَّا ينعكس سلبًا على عامَّة الرَّعيَّة، وذلك لأنَّ لسان الإنسان الذي شرفه الله تعالى به، هو سلاح ذو حدين وذو أثر مهم في المجتمع والدولة، وربَّما بكلام واحد قد تنقلب كل الموازين سواء ضد الرَّعية وإلى جانب الحاكم، أو بالعكس، فـ(رُبَّ قَوْلٍ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ)[5]، على وفق قول الإمام (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) الذي يعطي للكلمة الصَّادقة أهمّيَّة ومنزلة، لأنَّها أحد أجزاء الإيمان الصَّادق، الذي يتجسَّد عند الإمام (عليه الصَّلَاة والسَّلَام)[6]، بقوله: (مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ)[7].
 فالكلمة الصَّادقة الهادفة -لا الكلمة المزاجيَّة التي تُطلق من الفرد لما تقتضيه مصلحته لا لما تقتضيه المصلحة العامَّة للرَّعيَّة- تُعد أداة لتطور الفكر الإنساني عامَّة والفكر الإسلامي خاصّة[8]، وهذا ما جاء واضحًا لنا من قول الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه الصَّلَاة والسَّلَام): (الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، لَا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ ولَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ، وإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ)[9].
وفي الختام، لا يسعنا إلَّا أن نشكر الله تعالى على سابغ نعمائه وفضله ومنَّه بنعمة الإسلام وولاية النَّبيّ مُحَمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، وآل بيته الطَّيِّبين الطَّاهِرِين (عليهم صلوات الله تعالى وسلامه) وحبّهم وطاعتهم..
الهوامش:
[1] ينظر: حقوق الإنسان عند الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، د. غسان السَّعد: 141.
[2] نهج السَّعادة في مستدرك نهج البلاغة، الشَّيخ المحمودي: 8/320.
[3]  ينظر: حقوق الإنسان عند الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، د. غسان السَّعد: 141.
[4] أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: 2/158.
[5] نهج البلاغة، خطب الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام)، تحقيق: د. صبحي الصَّالح: 545.
[6] يُنظر: حقوق الإنسان عند الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، د. غسان السَّعد: 141.
[7] نهج البلاغة، خطب الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام)، تحقيق: د. صبحي الصَّالح: 508.
[8] يُنظر: حقوق الإنسان عند الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، د. غسان السَّعد: 142.
[9] شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني: 3/126.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1314 Seconds