بقيع الآل (عليهم السَّلَام) قبابٌ من ظلامة

مقالات وبحوث

بقيع الآل (عليهم السَّلَام) قبابٌ من ظلامة

144 مشاهدة

خُطَى الخُزَاعي

الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصَّلَاة والسَّلَام على خير خلقه محمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين...
وبعد...
ما زال خط الانحراف في مسيرة الدين منذ انطلاقته الأولى بُعيد استشهاد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وإلى يومنا هذا آخذًا في الميلان متشخصًا بالبدعة في قبال التأصيل الإلهي النبوي، وممَّا ينبئ بجلاء على أنَّ هذا الانحراف قد بلغ مستوى خطيرًا في البعد عن الجادة هو كثرة ما استحدث في الدين من مُبتَدَعات على كل الصُعُد حتى ليبدو أنَّه (الانحراف) أصبح بنفسه وعلى تنوعه خطًا موازيًا للدين الحق يمتد معه مسايرًا ولا يلتقي به خارج المسمّيات.

قال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) في نهجه الشَّريف مومئًا للكم البدعي التراكمي القادم مع الزمن: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُه، ومِنَ الإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُه...))([1]).
والغالب في تلك البدع المستحدثة اتكاؤها على أساسات وأصول راقت نفوس بعضهم ابتعاثها من جديد مضفية عليها طابعها، ومقدِّمة إياها سببًا من أسباب الاختلاف والصراعات لمآرب في حسبانها، كبدعة حرمة البناء على القبور ووجوب إزالة ما بنيَّ منها تحت ذريعة أنَّها باتت رموزًا تقدح في التوحيد، وبالعودة إلى الوراء إلى حيث عهد عمر بن الخطاب وتحديدًا في حجه الأول بعد تسلمه الحكم، وبعد انتهائه إلى الطواف مستلمًا الحجر الأسود خاطبه بالقول: أما والله إني لأعلم أنَّك حجر لا يضر ولا ينفع ولولا أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) استلمك ما استلمتك، فيُنهر بردٍّ مُفحِم من أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه): مه لا تفعل فإنَّ رسول الله (عليه السَّلَام) لا يستلم إلّا لأمر قد علمه ولو قرأت القرآن فعلمت من تأويله ما علم غيرك لعلمت أنَّه يضر وينفع له عينان وشفتان ولسان ذلق يشهد لمن وافاه بالموافاة... ([2])، نستشف أوليات الداء وأصوله، فيُقرأ واضحًا من ذلك الموقف غلظة وفظاظة وجرأة على الفعل النبوي بإظهار عدم الاعتقاد به قلبًا وسط جمع المهاجرين والأنصار ممَّن كان يدَّعي تمثيل مقامه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الذي من يعُد من أولى لوازمه حفظ تراث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والاعتقاد بصحة كل ما صدر عنه وحكمته حتى وإن لم تستبن ظاهرًا، فجرَّد بمقولته تلك الحجر الأسود من رمزيته ومعناه وصرَّح بأنَّه كان مقلِّدًا لفعل النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من دون اعتقاد مبديًا رأيًا قلَّل فيه من شأن التشريع وحكمته، وعلى نار الزمن تنضج مثل هكذا أُطروحات لتنتهي إلى فرقة الوهابية التي غزت الحجاز أرضًا وفكرًا أكثر من مرة، فتتلقفها متبنية مقولة: (لا يضر ولا ينفع) موسعة من نطاقها فتنطلق منها في محاربة الرمز واعفائه بمعول من غلظة وجهالة، فتَقدِم متجرأة على هدم قبور البقيع في حملتها الأولى عام 1220هـــ بعد استيلائها على مكة والمدينة بدعوى تنقية التوحيد من المظاهر الشركية المتمثلة في تلك المشاهد، وبعد سقوط تلك الدولة الهمجية على أيدي العثمانيين أُعيدَ بناء قبور البقيع وعمارتها من جديد على أيدي المسلمين ومن تبرعاتهم، مترجمًا فعلهم عن رفضهم جريمة الهدم والتسوية تلك، كما ويكشف عن أنَّ البناء على القبور وتعميرها ليس بالأمر المستهجن أو الغريب على الثقافة الإسلامية الأصيلة، ثم تعود تلك الدولة ذات المنهج الوهابي مجدَّدًا باحتلال حرم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) واضعة هذه المرة فأس فكرها الهادم بيد وعّاظ بلاطها، فتستحصل فتوى من علماء المدينة في الخامس والعشرين من شهر رمضان من سنة 1344هـــ([3]) تقضي بهدم أبنية القبور وقبابها، وتسويتها بالأرض، والنهي عن زيارتها، مفعِّلة تلك الفتوى سيئة الصيت خارجًا بهدم قبور أئمة البقيع (صلوات الله عليهم) للمرَّة الثَّانيَّة في الثَّامن من شهر شوال من السَّنة نفسها ، ومصادرة المقتنيات والنَّفائس التي كانت موجودة هناك آنذاك، محاربين الشرك ومنتصرين للتَّوحيد على حدِّ زعمهم وتسويقهم، حتى لكأنَّهم بتأخرهم غدوا أحرص على التوحيد ممَّن  بُعِث به، وأحذق منه على تشخيص ما ينافيه من مظاهر، فهذا النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من نقلهم أنَّه كان يعتني بزيارة القبور ويدعو للأموات ويستغفر لهم، ((فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ (وآله) وَسَلَّمَ) خَرَجَ إِلَى الْمَقَابِرِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ  لَاحِقُونَ))([4])، وعن عائشة أنَّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مخاطبًا أهل قبور البقيع: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَإِنَّا بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُم))([5])، وعنها أيضًا: أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (( يَخْرُجُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ مُتَوَاعِدُونَ غَدًا أَوْ مُوَاكِلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَد))([6]).

وببقاء قبور أئمتنا (صلوات الله عليهم) وثُلَّة من الصَّحابة بلا بناء في البقيع الغرقد، ينبئ على أنَّ مبعث النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومهاجره باتتا رهينتي دين البدعة، ذلك الدين الذي تأسس بالحؤول بين آل مُحَمَّدٍ (صلوات الله عليهم) وسدَّة الحكم، لتُسبلَ لكل فظ وفاسد وطليق وفاسق، فيستلم أبناء القوم في كل عصر ما انتهى إليه أسلافهم فيعمِّقوا بدورهم من هوة الابتداع ويَفْجِروا في خصومة آل الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، المظلومين بدوًا في حياتهم بإنكار خلافتهم على أيدي السَّلف، والتَّعدِّيّ على حرمتهم من لدن أفراخهم بدعوى حفظ التوحيد استمرارًا، فهذا مشهدهم الشريف مسوّى والأرض تحوطه زمر من الناهين عن المعروف تحول بين المؤمنين ومودَّة قربى الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في زيارة مشهدهم الشريف والتبرك به عملًا بالسّنة، ومن هنا يستطيع المنصف تصور ما وصل إليه الانحراف في الدين الذي أباح للسلف إقصاء آل الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وقتلهم وللخلف هدم مشاهدهم، والحال أنَّ الدين الحق يتعبد متدينيه بنقائض الفعلين فلا حول ولا قوة إلّا بالله العَلِيّ العظيم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
الهوامش:
[1] نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح: رقم: 369، ص:540.
[2] ينظر: بحار الأنوار، العلامة المجلسي (ت: 1111): 96/227-228،ح 29.
[3] حسب جريدة أم القرى ذات العدد (69) في 17/شوال/1344.
[4] مسند أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل (ت: 241هـ): 14/463، ح8878.
[5] سنن ابن ماجه، ابن ماجة (ت: 273هـ): 1/493، ح 1546.
[6] سنن النسائي، النسائي (ت: 303هـ): 4/93، ح 2039، كما وإن لديهم نقلًا آخر ينهي عن زيارة القبور.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1122 Seconds