منهاج الإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) في نشر الوعي المعرفي في المؤسسة العسكرية

مقالات وبحوث

منهاج الإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) في نشر الوعي المعرفي في المؤسسة العسكرية

2K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 23-08-2020

السَّيد: نبيل الحسني الكربلائي.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرِين...
وبعد.
أشارت بعض الدراسات التاريخية إلى أن «الغرض من تأسيس الكوفة كان إنشاء مقر يقيم فيه المقاتلة المسلمون الذين قاموا بدحر الجيوش الساسانية وفتحوا المدائن، وكان عليهم أيضا الدفاع عن البلاد التي فتحوها وتوسيع رقعتها.
وهذا لا يتم إلا بالقضاء على الجيش الساساني الذي بالرغم من اندحاراته؛ فإنه كان يستعد لجمع شمله والقيام بحركات لاسترداد الأراضي التي فقدها، لذلك كان واجب القتال قائما، ووضع المسلمين لم يكن مؤمّنا، وهذا يقتضي أن تكون القاعدة الجديدة ذات طابع عسكري، وألاّ يبذل في إقامتها من المال والجهد ما قد يؤسف على فقدانه إذا تبدلت الأوضاع.
ومن المعلوم أن المقاتلة المسلمين الذين أُنشأت لهم القاعدة الجديدة كان أغلبهم من المدربين عسكريا، فلم يكونوا قد تعوّدوا حياة الترف أو الاهتمام الكبير بجمع المال واقتناء الثروات، ولا ريب في أن الفتوح ومعاركها بدّلت الأحوال الاجتماعية والسكانية، ولكنها لم تؤدّ إلى تدمير المراكز الحضارية القديمة.
ولذلك فإن التجار والصناع بقوا في مراكزهم القديمة بانتظار استقرار الأحوال على الأقل، ولم يجدوا مبررا للانتقال إلى القاعدة العسكرية الجديدة»([1]).
وذكر البلاذري أن سعد بن أبي وقاص حينما تحول إلى الكوفة «اختطها وأقطع الناس المنازل وأنزل القبائل منازلهم، وبنى مسجدها، وذلك في سنة سبع عشرة للهجرة»([2]).
وهذا يعني أن هذه المدينة أسست لتكون معسكرا للمقاتلين الذين جاؤوا لغرض الحرب وتوسيع رقعة بلاد المسلمين، أي أنها جمعت خليطاً من القبائل العربية من الحجاز واليمن والعراق والفرس، وجميع هؤلاء تثقفوا على طاعة الحاكم وقائد الجيش وغيرها من الرتب العسكرية.
بمعنى: لا ينظر أولئك إلى الجانب العقائدي أو الاجتماعي أو العلمي للمعسكر الآخر، فهذه الأمور لم تحظ باهتمام المقاتلة، لكونهم يخضعون للأمر العسكري الذي له مفهوم واحد؛ وهو الطاعة، ومصداق واحد؛ وهو التنفيذ، حتى ولو كان الذي يريدون مقاتلته ابن بنت نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم.
ولذلك: سعى الإمام الحسين عليه السلام إلى تحرير هذه العقول من الانقياد الأعمى للحاكم، والنظر فيما يصدره من أحكام أهي في طاعة الله أم في معصيته ونشر الفساد؟ وأن يكون لهذه المؤسسة العسكرية دورها في تصحيح مسير الحكّام الجائرين، بمعنى ضرورة نشر الوعي المعرفي في هذه المؤسسة الفعالة والحيوية.
ومن هنا: كان جوابهم له حينما سألهم عن سبب إقدامهم على قتله؟! قالوا: (طاعة للأمير عبيد الله بن زياد)([3]). 
فأجابهم بأسلوب يختلف عن الأسلوب الذي اشتملته الخطبة الأولى.
أي: أصبح الخطاب أشبه ما يكون بالصعقة الكهربائية لعل هذه العقول تلتفت إلى ما عزمت عليه، فكان هذا التقريع يطرق الرؤوس المتحجرة بهذه الكلمات.
فقال عليه السلام:
«تباً لكم([4]) أيتها الجماعة وترحا([5])، أحين استصـرختمونا والهين([6]) فاصرخناكم موجفين([7])، سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم، وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدوكم.
فأصبحتم إلباً([8]) لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، فهلا لكم الويلات  تركتمونا والسيف مشيم([9])، والجأش([10]) طامن([11])، والرأي لما يستصحف([12])».
والخطاب فضلاً عن بيانه لأحد ركائز الثقافة التي حملها هؤلاء؛ فهو في الوقت نفسه يظهر حقائق عقائدية تظهر دور أئمة العصمة في رفع الظلم وإغاثة الملهوف.
وكذلك يظهر الخطاب السنن التاريخية لهلاك المجتمعات ــ وهو ما سنتوقف عنده لاحقا.
إذن: كان السبب الأول الذي ارتكزت عليه هذه الثقافة الكوفية في يوم عاشوراء هي: الامتثال للأمر العسكري دون استحضار حق المراجعة أو المناقشة لما تصدره قيادة الجند من أوامر.
وقد ألحقت هذه الثقافة الويلات بمختلف الشعوب وعلى مر الأزمنة، وبسببها انتهت ديانات وقتل أنبياء من مثل نبي الله يحيى عليه السلام، في حين يعطي القرآن الكريم صورة حية ونقية للنهج الحسيني في دعوته ومحاولته إخراجهم من هذه الثقافة.
فيضرب للمسلمين مثلا في معارضة المجتمع للحاكم الجائر، أي مواجهة الثقافات الجائزة والهدامة كـ: ثقافة الخضوع والانقياد والتذلل والموت من أجل الحاكم، ومواجهتها بثقافة الحياة والحرية والهوية الإنسانية، والإصلاح، كما في قضية السحرة الذين رفضوا ثقافة الذل والخضوع والموت، وتحرروا من ثقافة فرعون، ثقافة الحاكم العسكري، ثقافة الطاغوت والسلطة وواجهوها بثقافة الحياة ورفض الباطل واتباع الحق، فلاحظ قوله تعالى في عرضه لثقافة الحياة وهي تواجه ثقافة الموت.
{فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى }([13]).
{قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}([14]).
{قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}([15]).
{إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}([16]).
{إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} ([17]).
{وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى}([18]).
وهذا المعنى القرآني والنهج الرسالي نفسه والثقافة الإصلاحية عينها تجسدت في عاشوراء في انتفاض أحد قادة الجيش ومواجهته ثقافة الموت بثقافة الحياة والإصلاح.
وهو الحر بن يزيد الرياحي الذي كان يحمل رتبة (قائد لواء)، و ما يعرف حديثا (بالجنيرل).
فقد سلك هذا المنهج الرسالي والثقافة الإصلاحية، فانتقل إلى منهل الحياة والحرية إلى أبي عبد الله الحسين عليه السلام.
في حين لزم الباقون هذه الثقافة فكانت عاقبتهم وبالاً عليهم وذلاً وعاراً وخزياً في الدنيا و{وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ}.

الهوامش:
([1]) الكوفة وأهلها في صدر الإسلام لصالح أحمد العلي: ص 53.
([2]) فتوح البلدان للبلاذري: ج 2، ص 238.
([3]) مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) لعبد الرزاق المقرم: ص 243.
([4]) التباب: الخسران والهلاك، وتقول: تباً لفلان، تنصبه على المصدر بإضمار الفعل، أي ألزمه الله هلاكا وخسراناً.
«تاج العروس، للزبيدي: ج1، ص318».
([5]) الترح، محركة: الهم، نقيض الفرح، وترح كفرح، وترحه الأمر تتريحا: أحزنه.
«تاج العروس: ج4، ص18 ــ 19».
([6]) الوله: ذهاب العقل، والتحير من شدة الوجد.
«الصحاح للجوهري: ج 6، ص 225».
([7]) الوجف والوجيف: ضرب من سير الخيل والإبل سريع، وهو دون التقريب؛ وأوجفته: حششته، وهو كناية عند شدة السرعة في الإجابة.
«تاج العروس للزبيدي: ج 12، ص 517 ــ 518».
([8]) الألب؛ قال الفراء: ألب الإبل: جمعها وساقها، وألبت الجيش، إذا جمعته، وتألبوا تجمعوا، وهم ألب.
«الصحاح للجوهري: ج 1، ص 88».
([9]) المشيمة، هي للمرأة التي فيها الولد، والجمع مشيم، ومشايم، وقال ابن الإعرابي: يقال لما يكون فيه الولد المشيمة والكيس. «لسان العرب لابن منظور: ج 12، ص 331».
وهنا: أراد الإمام الحسين (عليه السلام) أن يظهر لهم أن خذلانكم لأهل البيت (عليهم السلام) لم يكن سببه أن جرد عليكم السيف وأريد بكم القتل، بل كان ترككم لأهل البيت (عليه السلام) سببه حب الدنيا والتكالب عليها.
([10]) الجأش، النفس وقيل: القلب.
«لسان العرب لابن منظور: ج 6، ص 269».
([11]) طامن، أي ساكن.
«لسان العرب لابن منظور: ج 13، ص268».
([12]) حَصُفَ، بالضم، حصافةً إذا كان جيِّدَ الرأي مُحْكم العقل، ويستصحف، يستحكم.
«لسان العرب لابن منظور: ج 9، ص48».
([13]) سورة طه، الآية: 70.
([14]) سورة طه، الآية: 71.
([15]) سورة طه، الآية: 72.
([16]) سورة طه، الآية: 73.
([17]) سورة طه، الآية: 74.
([18]) سورة طه، الآية: 75.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1852 Seconds