أثر الواقعة الاجتماعية في تكوين طباع الإنسان في فكر الإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) وعالم الاجتماع دوركهايم

مقالات وبحوث

أثر الواقعة الاجتماعية في تكوين طباع الإنسان في فكر الإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) وعالم الاجتماع دوركهايم

3K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 25-08-2020

بقلم: السيد نبيل الحسني

الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على خير خلقه أجمعين وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرِين...
وبعد:
تعد الوقائع الاجتماعية من أهم سمات الثقافة لدى كل مجتمع؛ وإنها أحد أهم المكونات الأساسية لهوية المجتمعات.
(وإذا أردنا أن نعرف ماهية ما تنقله التربية إلى الناشئة فلابد لنا من رصد الثقافة السائدة في المجتمع والتي تعطيه هويته، وإذا أردنا أن نتعرف إلى الثقافة فلابد لنا من فحص ما يجري نقله إلى الناشئة على سبيل التربية.
طريقان اثنان يصلان بنا إلى النتيجة نفسها، وإن بتعبيرين مختلفين؛ (الثقافة، الكائن الاجتماعي) تبعا للنظرية التي ننطلق منها.
وهذه النتيجة ثلاثية الأوجه، وجهها الأول أن الثقافة هي نفسها الكائن الاجتماعي، ووجهها الثاني أن الثقافة هي أقوى من الأفراد الذين ينقلونها، والذين يتلقونها، ووجهها الثالث أنها قابلة للرصد والمراقبة من قبل (الزائر) والتحليل من قبل (المراقب والباحث)، بهذا المعنى الثلاثي يمكن القول إن الثقافة هي واقعة اجتماعية)([1]).
ومن هنا:
يرى علماء الاجتماع أن الوقائع الاجتماعية تتّصف بصفتين وهما:
1 ـ صفة الاستقلالية، بمعنى أن الثقافة تتمتع بوجود مستقل عن وجود الطفل، وعن وجود الأسرة التي تنقل هذه الثقافة.
فاللغة المنقولة إلى الطفل ليست من صنع هذه الأسرة، ولا طراز الملبس ولا نوع الطعام فهذه الأمور موجودة داخل المجتمع في استقلالية عن الأسرة([2]).
2 ــ صفة القهر، وتنطبق على الثقافة الصفة الثانية للواقعة الاجتماعية، وهي صفة القهر، فالواقعة الاجتماعية تمتاز بأنها آمرة قاهرة، وإن لم يشعر المؤتمر بها بهذا القهر.
إن الشعور بالقهر يحدث عادة عند مخالفتها، وهذه وظيفة العقال، فالأهل يعاقبون منذ الصغر، لأن على الطفل أن يأكل وينام ويمشي وينظف ويتكلم.
وإذا كبر الطفل وأراد أن يخالف بسلوكه هذه الثقافة القاهرة، كأن يقول كلاما منافيا للأخلاق سيكون عقابه التقريع، وكلما كان ما يمارسه الفرد مهددا لثقافة المجتمع عُدّ من قبل المجتمع بأنه منحرف، وزاد عقابه حسب مستوى انحرافه عن ثقافة مجتمعه ودرجته.
وهذا يعني من جهة أولى أن الطفل الذي يولد في المجتمع الصيني لا يمكن في النهاية إلا أن يكون صينيا، والطفل الفرنسي فرنسيا والطفل اللبناني لبنانياً([3]).
ومن جهة ثانية أن المنحرف في هذا المجتمع غير المنحرف في ذلك المجتمع من حيث كونه منحرفا أو من حيث درجة الانحراف؛ فالانحراف مفهوم ثقافي أيضا خاص بكل مجتمع على حدة.
وعليه:
يرى العالم الاجتماعي دوركهايم (ت 1917): (أن الواقعة الاجتماعية هي كل ضرب من السلوك ثابتا كان أم غير ثابت، يمكن أن يباشر نوعا من القهر الخارجي على الأفراد، أو كل سلوك يعم المجتمع بأسره، وكان ذا وجود خاص مستقل عن الصور التي يتشكل بها في الحالات الفردية)([4]).
ويرى أيضاً: (أن جميع أنواع التربية تنحصر في ذلك المجهود المتواصل الذي نرمي به إلى أخذ الطفل بألوان من الفكر والعاطفة والسلوك التي ما كان يستطيع الوصول إليه لو ترك وشأنه، وبيان ذلك أننا نضطره، منذ حداثته، إلى الأكل والشرب والنوم في ساعات معينة، ونوجب عليه النظافة والهدوء والطاعة ثم نجبره على التعلم، وعلى مراعاة حقوق الآخرين، وعلى احترام العادات والتقاليد، كذلك نوجب عليه العمل، وغير ذلك من الأمور، وإذا لم يشعر الطفل بهذا القهر (coercition) كلما تقدم به العمر فإن السبب في ذلك يرجع إلى أن القهر عديم الفائدة، ومع ذلك فإن هذه العادات لا تحل محل القهر إلا أنها تصدر عنه)([5]).
فينتج عنها حينئذ الطبع، فيصبح الإنسان من خلال هذه التنشئة الاجتماعية ذا طبع محدد ترسمه له هذه الثقافة التي نشأ عليها، ونقلت إليه، فأصبح ملزما بها لا يستطيع الخروج عن قيودها.
ولذلك: يرى علماء الاجتماع ولاسيما دوركهايم: (أن التنشئة، هي عملية إقامة الكائن الاجتماعي في الكائن البيولوجي؛ وإن هذا (الكائن الاجتماعي) هو ما يجمع عليه المجتمع ككل والأوساط الخاصة كلاً على حدة).
يصحّ القول بأنه عن طريق التنشئة يجري (استدخال) ما هو اجتماعي (عام أو خاص بوسط أو ثقافة فرعية) من قبل الفرد، من جهة، ثم (استخراج) هذا الاجتماعي من جهة أخرى بصورة سلوك ومواقف ومعارف ولغة من قبل هذا الفرد، بحيث يمكن أن نتوقع من فرد في عمر معين في مجتمع معين (وفي وسط خاص في هذا المجتمع) سلوكيات / مواقف / معارف / لغة معينة... تعبّر عن شخصية هذا المجتمع وتعكس خصوصيته.
إن الطبع الذي يتكون نتيجة التنشئة هو الذي يسمح لنا بأن نتوقع من فرد ما في مجتمع معين استعمال لغة معينة، وأن يسلك سلوكا معينا وأن يؤمن بقيم معينة، وأن يلبس وأن يتزوج وأن يقتني بيتا وأن ينتقل... بطريقة معينة، وما يصح على المجتمع ككل يصح على الجماعات الفردية فيه أو الأوساط الخاصة والحاملة لثقافات فرعية تخصها وتميزها عن غيرها)([6]).
وعليه؛
فإن تلك السمات التي حددها الإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) في خطابه لأهل الكوفة في يوم عاشورا، قائلاً:
((فسحقاً لكم يا عبيد الامة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومحرفي الكلم، وعصبة الاثم، ونفثة الشيطان، ومطفئ السنن، وملحقي العهرة بالنسب، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون؛ افهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون!! أجل والله، خذل فيكم معروف، نبت عليه أصولكم، وأتذرت عليه عروقكم، فكنتم أخبث ثمر شجر للناظر، واكلت للغاصب))[7].
فإن تلك السمات التي ذكرها الإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) في المكون الثقافي الثاني لمجتمع الكوفة كانت نتيجة لما نقل إلى هؤلاء المقاتلة العرب قبل أن ينتقلوا إلى الكوفة، بل قبل تمصيرها، ولما نُقل أولئك الآباء إلى الكوفة، وتطبعوا بهذه السمات، وكانت مكونا ثقافيا لهم مع ما رافقها من متغيرات اجتماعية وعقائدية لقنوا بها الأبناء مع ما شهدوه (وهم صغار) من انتهاكات عملية وملموسة أمام أعينهم من حرق بيت بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسبهم لعلي بن أبي طالب عليه السَّلَام، وقتل صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتشهير بهم لكونهم لزموا أهل بيت نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، كل ذلك شكل لبنة في بناء الإنسان المسلم بيولوجيا فنشأ لديه طبع يسوقه نفسيا إلى التمادي والتجري على الله وأهل بيت رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر مما صنع الآباء، وذلك لتفشي هذه الثقافة في معظم المدن الإسلامية إلا أن ظهورها في الكوفة كان الأبرز، لما اتسمت به هذه المدينة من تنوع عشائري وعقائدي، فمن الحب والبغض لعلي بن أبي طالب عليه السلام كان تصنيف الذات وتكوين الطباع، ومنهما تكون ثلثا أثلاث الإناسة الثقافية لمجتمع الكوفة، والثلث الآخر هو ظهور كثير من الأبناء غير الشرعيين في تولي رقاب المسلمين وفي مختلف قنوات الدولة.
مما جعلها ــ أي هذه الدولة ــ تتولى تعميم هذه الثقافة وترسيخها في أذهان الناس وبخاصة المقاتلة العرب داخل مجتمع الكوفة.
وهو مما أشار إليه قوله عليه السَّلَام:
«وملحقي العهرة بالنسب».
وقوله:
«ألا أن الدعي بن الدعي».
يضاف إليه آثار التثاقف الذي قام معاوية بن أبي سفيان حينما زاوج بين ثقافتين متناقضتين أثناء توليه السلطة في عام الجماعة، وفي توليته إمارة الكوفة لزياد ابن أبيه، فأمره بتنفيذ التثاقف الاجتماعي في مجتمع الكوفة دون غيرها من المدن فزاوج بين ثقافتين متناقضتين وهما ثقافة حب علي بن أبي طالب عليه السلام وثقافة بغض علي بن أبي طالب عليه السلام مع فرض ذلك بالقوة والقهر والتهجير لأصحاب الثقافة الأولى، فتنتج عنه خروج هذه الألوف لقتل ابن بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

الهوامش:
([1]) التنشئة الاجتماعية وتكوين الطباع: ص 19.
([2]) المصدر السابق: ص20.
([3]) المصدر السابق.
([4]) التنشئة الاجتماعية وتكوين الطباع لعدنان أمين: ص 21، 22.
([5]) المصدر السابق: ص 22.
([6]) المصدر السابق: ص 24.
[7]  تحف العقول للحراني: ص 241؛ تاريخ ابن عساكر: ج14 ص 219 التذكرة الحمدونية لابن حمدون: ج5 ص 211.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2427 Seconds