الإمام العسكري وارث علوم القرآن

مقالات وبحوث

الإمام العسكري وارث علوم القرآن

669 مشاهدة

عمَّار حسن الخزاعي

الإمام العسكري، هو الحسن بن علي الهادي، وهو الإمام الحادي عشر من الخلفاء الموعودة بهم الأمة، أُطلَّ بنوره الشريف في شهر ربيع الثاني في اليوم العاشر منه من سنة اثنتين وثلاثين ومئتين من الهجرة ويوم ولادته شريف، عظيم البركة([1])، وقد قيل إنَّ ولادته كانت في المدينة وقيل سرَّ من رأى (سامراء)([2])، وقد وصفت والدته (عليه السلام) بأنَّها  من العارفات الصالحات، وكانت تسمَّى سليل([3])، وللإمام العسكري (عليه السلام) ألقاب عدَّة منها: الصامت، الهادي، الرفيق، الزكي، السراج، المضيء، المرضي، الحسن العسكري، الشافي([4])، تصدَّى للإمامة بعد شهادة والده الإمام الهادي النقي (صلوات الله وسلامه عليه) في السنة الثانية والعشرين من عمره الشريف، وكانت مدة إمامته ست سنين([5])، وقد عاصر (عليه السلام) بقية ملك المعتز أشهرًا، ثم ملك المهتدي يومين، ثم ملك المقتدي أحد عشر شهرًا وثمانية عشر يومًا، ثم ملك أحمد المعتمد بن جعفر المتوكل خمس سنين، واستشهد في عصره([6])، وفي إمامته لاقى من لدن حكومة بني العبَّاس شتَّى أنواع المضايقة والإبعاد عن قواعده ومواليه من شيعته، فسجن بلا ذنبٍ سوى أنَّه الإمام الحق والخليفة المنصَّب من لدن الله تعالى . ومن الدَّلائل على إمامته ما ذكره رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حقِّه من أقوالٍ منها ما روي بما نصّه: ((وإنّ اللّه تبارك وتعالى ركّب في صلبه [أي أبيه علي الهادي (عليه السلام)] نطفة، وسمّاها عنده الحسن، فجعله نوراً في بلاده، وخليفة في أرضه، وعزّاً لأُمّة جدّه، وهادياً لشيعته وشفيعًا لهم عند ربِّه، ونقمة على من خالفه، وحجَّة لمن والاه، وبرهانًا لمن اتَّخذه إمامًا))([7]).
أمَّا أدوار إمامته فقد تنوَّعت على مختلف مناحي الحياة الدِّينيَّة والاجتماعيَّة؛ فكان (صلوات الله عليه) - على الرغم من شدَّة الحصار والمراقبة من بني العبَّاس – يتابع شؤون الدِّين ويحرص على تبليغ شرع الله الحق، وقد أولى القرآن الكريم عنايةً فائقة، فكان يفسِّر القرآن الكريم بحسب المقاصد الإلهيَّة الحقَّة، ويحرص على أن يفهم النَّاس التفسير السليم لكلام الله تعالى، وقد ورد عنه نتاج كثير في هذا الصَّدد، وممَّا ورد عنه قوله (صلوات الله عليه) ما جاء في تفسير المراد بالوالدين في قول الله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [النساء: 36]؛ إذ فسَّرها بنقل قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ثمَّ أصحاب الكساء وختمها بقول علي بن الحسين (عليهم جميعًا سلام الله)، وذلك بقوله: ((قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): أفضل والديكم وأحقهما لشكركم محمد وعلي، وقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا وعلي أبوا هذه الأمة، ولحقنا عليهم أعظم من حقِّ أبوي ولادتهم، فإنَّا ننقذهم -إن أطاعونا- من النار إلى دار القرار، ونلحقهم من العبودية بخيار الأحرار، وقالت فاطمة (عليها السلام): أبوا هذه الأمة محمد وعلي، يقيمان أودهم، وينقذانهم من العذاب الدائم إن أطاعوهما، ويبيحانهم النعيم الدائم إن وافقوهما، وقال الحسن بن علي (عليهما السلام): محمد وعلي أبوا هذه الأمة، فطوبى لمن كان بحقهما عارف، ولهما في كلِّ أحواله مطيعًا، يجعله الله من أفضل سكان جنانه، ويسعده بكراماته ورضوانه، وقال الحسين بن علي (عليهما السلام): من عرف حق أبويه الأفضلين محمد وعلي (عليهما السلام)، وأطاعهما حق الطاعة قيل له: تبحبح في أي الجنان شئت، وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): إن كان الأبوان إنَّما عظم حقهما على أولادهما لإحسانهما إليهم، فإحسان محمد وعلي (عليهما السلام) إلى هذه الأمة أجل وأعظم فهما بأن يكونا أبويهم أحق))([8]) . فأبوا هذه الأمَّة هما (محمد وعلي) (صلوات الله عليهما وآلهما)، وهما الأحقَّان بالاتِّباع والطَّاعة والشكر والإحسان .
وفي موضع آخر فسَّر إمامنا العسكري (عليه السلام) السيئة المحيطة في قوله تعالى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 81]، وذلك في قوله: ((السيئة المحيطة به هي التي تخرجه عن جملة دين الله، وتنزعه عن ولاية الله وترميه في سخط الله وهي الشرك بالله، والكفر به، والكفر بنبوة محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والكفر بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كل واحدٍ من هذه سيئة تحيط به، أي تحيط بأعماله فتبطلها وتمحقها، (فَأُولَئِكَ) عاملوا هذه السيئة المحيطة (أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)))([9]).

وممَّا أُثر عن إمامنا أبي محمَّد الحسن العسكري (عليه السلام) في دفاعه عن القرآن الكريم ومواجهة جبهات الزنادقة والملحدين ما ورد في جوابه لما أثير من شبهات حول إرث المرأة في قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: 11]، فكان من جملة المتسائلين حول ذلك الْفَهْفَكِيِّ، وقد سأل لإمام العسكري بقوله: ((مَا بَالُ الْمَرْأَةِ الْمِسْكِينَةِ الضَّعِيفَةِ تَأْخُذُ سَهْمًا وَاحِدًا، ويَأْخُذُ الرَّجُلُ سَهْمَيْنِ؟ فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): إِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا جِهَادٌ ولَا نَفَقَةٌ ولَا عَلَيْهَا مَعْقُلَةٌ، إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي [أي الْفَهْفَكِيّ] قَدْ كَانَ قِيلَ لِي: إِنَّ ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّه (عليه السلام) عَنْ هَذِه الْمَسْأَلَةِ فَأَجَابَه بِهَذَا الْجَوَابِ، فَأَقْبَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) عَلَيَّ فَقَالَ: نَعَمْ، هَذِه الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةُ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ، والْجَوَابُ مِنَّا وَاحِدٌ إِذَا كَانَ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ وَاحِدًا، جَرَى لآِخِرِنَا مَا جَرَى لأَوَّلِنَا، وأَوَّلُنَا وآخِرُنَا فِي الْعِلْمِ سَوَاءٌ، ولِرَسُولِ اللَّه (صلى الله عليه وآله) وأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَضْلُهُمَا))([10]) .
ولو تمعَّنا في هذه المقتطفات من التفسير المبارك للإمام العسكري (عليه السلام) فإنَّنا نجدها نابعة من العين الصَّافية لعدل القرآن العاصم من الضَّلال، الذي أوصانا الرسول (صلَّى الله عليه وآله) باتِّباعه والسير على هداه بقوله: ((إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي))([11]) . جعلنا الله وإيَّاكم ممَّن يتَّبع الثقلين ويتمسَّك بهداهم ويسير على نهجهم، ولا ننسى أن نبارك لإمامنا المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ومن ثمَّ للإمَّة الإسلاميَّة بولادة الإمام العسكري (عليه السلام) والد الحجَّة المنتظر (عليهما صلوات الله وسلامه) .

الهوامش:
([1]) ينظر: مسار الشيعة في مختصر تواريخ الشريعة، الشيخ المفيد (ت: 413 هـ): 52.
([2]) ينظر: روضة الواعظين، الفتال النيسابوري (ت: 508 هـ): 251.
([3]) ينظر: بحار الأنوار، العلَّامة المجلسي (ت: 1111 هـ): 50/238.
([4]) ينظر: مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب (ت: 588 هـ): 3/523.
([5]) ينظر: تاج المواليد: الشيخ الطبرسي (ت: 548 هـ): 58.
([6]) ينظر: دلائل الامامة، محمد بن جرير الطبري (ت: ق4): 157.
([7]) عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ): 1/64.
([8]) تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): 329 – 330 ، التفسير الصافي: 1/150 ، البرهان في تفسير القرآن: 1/264 ، بحار الأنوار: 23/259 .
([9]) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): 304 – 305 ، البرهان في تفسير القرآن: 1/260 ، موسوعة الإمام العسكري (عليه السلام): 107 .
([10]) الكافي: 7/85 ، تهذيب الأحكام: 9/274 ، وسائل الشيعة: 26/94 ، تفسير نور الثقلين: 1/451 .
([11]) تفسير القمي: 2/345 ، الكشف والبيان عن تفسير القرآن: 9/186 ، التبيان في تفسير القرآن: 9/474 ، دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر: 4/1587 ، التَّفْسِيرُ البَسِيْط: 21/167 ، لباب التأويل في معاني التنزيل: 4/228 ، عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 1/282 ، التفسير الصافي: 5/110 ، تفسير نور الثقلين: 5/193 ، تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب: 12/575 ، الميزان في تفسير القرآن: 1/12 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1664 Seconds