من مقاصدية وصية الإمام علي (عليه السلام) في أمواله....

مقالات وبحوث

من مقاصدية وصية الإمام علي (عليه السلام) في أمواله....

186 مشاهدة

بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدّم من عموم نِعَمٍ ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها والصلاة والسلام على حبيبه المنتجب ورسوله المصطفى أبي القاسم محمد وعلى آله أساس الدين وعماد اليقين.
وبعد:
اشتملت وصية أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في أمواله على جملة من العنوانات الشرعية والعقدية، فضلاً عن اكتنازها للعديد من المصاديق والمفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية وغيرها، وهو ما ستعرض له عبر جملة من المقالات، وهي على النحو الآتي:
رابعًاً: قصدية القربة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بتحذير الأمة من المساس بهذه القربة .

إنّ مما يرشد الى هذه القصدية ويقارب مبتغى منتج النص -فضلاً مما مرَّ بيانه من المقاصدية المرتبطة بهذا اللفظ- هو تحذير الأمة من التعرض لحرمة الحسن والحسين (عليهما السلام) وعدم الاكتراث لما يترتب على الأمة من حقوقهما، ومنها بيان هذه الشأنية والمنزلة التي لهما عند الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله).
فقد أرشد القرآن الكريم والأحاديث الشريفة الى اظهار هذه القصدية، أي: تحذير الأمة من التعرض لأبني فاطمة (عليهم السلام) وذلك بعد بيان منتج النص (عليه السلام) للتقرب الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهما، فمما جاء في قصدية التحذير، ما أخرجه فرات بن ابراهيم الكوفي في تفسيره لجملة من الروايات الشريفة في بيان معنى قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:13-14] ، فقال:

1- عن أبي جعفر -الباقر (عليه السلام)- في قوله:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾؟ قال:
«قتل في مودتنا»[1].

2- وعنه (عليه السلام) في الآية نفسها، أنّهُ قال:
«هم قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)»[2].

3- وعنه أيضاً، أي: الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾، يقول:
«أسألكم عن المودة التي أنزلت عليكم وصلها مودة ذي القربى بأي ذنب قتلتموهم»[3].

4- وأخرج فرات الكوفي عن الفزاري معنعناً عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) في قوله عزّ ذكره:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ يعني:
«مودتنا أهل البيت»، ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾،  قال:
«ذلك حقنا الواجب على الناس، (وبـ) حبنا الواجب على الخلق قتلوا مودتنا»[4].
والأحاديث الشريفة واضحة الدلالة في التحذير من التعرض للعترة النبوية(علبهم السلام) إذ أظهر الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) التحذير للأمة من المساس بحرمة العترة عِبْرَ التعظيم في حق المودة وحدودها وشأنها عند الله تعالى، وهو نفس الغرض والقصد الذي أراده منتج النص (عليه السلام) في قوله «قربة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)».

ومما يدل على هذه القصدية ويعاضدها:

1- إنَّ الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) لمّا قُتِل أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) قام فخطب بالناس، فقال:
«وإنّا من أهل بيت أفترض الله مودتهم على كل مسلم، حيث يقول:
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾،[الشورى:23].
فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت»[5].
فإذا كان اقتراف الحسنة مودة أهل البيت التي جعلها في الأصل فرض على كل مسلم، فكيف يكون حال من تعرض لهم بالقتل؟

2- إنّ هذا المعنى عَينه والقصدية نفسها نجدها في حديث الإمام علي بن الحسين زين العابدين(عليهما السلام) بعد مأساة يوم عاشوراء وقد أُدخل مكتوفاً ومقيداً بالحبال مع بنات النبوة، يساقون في البلدان ويطاف بهم في أزقة الكوفة ودمشق والشام.
فقد روى الطبري (ت 310هـ) والثعلبي (ت 427هـ) وابن كثير الدمشقي (ت 774هـ)؛ واللفظ لأبن جرير الطبري، أنّه قال:
عن أبي الديلم قال:
(لما جيء بعلي بن الحسين [عليه السلام] أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال:
الحمد الله الذي قتلكم، واستأصلكم، وقطع قرن الفتنة.
فقال علي بن الحسين [عليه السلام]:
«أقرأت القرآن»؟
قال: نعم.
قال: «أقرأت آل حم»؟
قال: قرات القرآن وما قرأت آل حم.
قال: «ما قرأت ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؟ [ الشورى:23].
قال: وأنكم لأنتم هم؟!!
قال: «نعم»[6].

3- إنّ من المصاديق التي تكشف عن هذه القصدية، أي: تحذير الأمة من المساس بحرمة الحسن والحسين ولم تحفظ قرابتهما وقربهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي الدعاء الذي دعا به الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء بعد استشهاد ولده علي الأكبر (صلوات الله وسلامه عليهما)، فقد أخرج ابن أعثم الكوفي والعلامة المجلسي (رحمه الله)، فقال:
(رفع الإمام الحسين[عليه السلام] شيبته[7] نحو السماء، وقال:
«اللّهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك، كنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إلى وجهه، اللّهم أمنعهم بركات الأرض، وفرقهم تفريقا، ومزقهم تمزيقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا».
ثم صاح الحسين بعمر بن سعد: «ما لك؟ قطع الله رحمك! ولا بارك الله لك في أمرك، وسلط عليك من يذبحك بعدي على فراشك، كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله)»، ثم رفع الحسين (عليه السلام) صوته وتلا: «إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم»)[8].
إذّنْ:
كانت القصدية الجديدة في قوله (عليه السلام):
«قربة الى رسول الله (صلى الله عليه وآله)» هي تحذير الأمة من المساس بهذه القرابة، والقربة التي لأبنيَّ فاطمة (عليهم السلام) من سيد الخلق أجمعين (صلى الله عليه وآله).
لكن الأمة لم تنصاع لهذا التحذير المكتنز في دلالة اللفظ، وقصدية منتج النص(عليه السلام)، كما لم تُطع الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) في العمل بالمودة في القربى، ولم تحفظ حرمة ابني فاطمة (عليهم السلام).
ولذا: تحملت الآثار الدنيوية والاخروية للمساس بهذه القرابة[9].

الهوامش:
[1]       تفسير فرات الكوفي: ص541-542.
[2]       المصدر السابق.
[3]       تفسير فرات الكوفي: ص541-542.
[4]       تفسير فرات الكوفي: ص542.
[5]       مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): ص328.
[6]       جامع البيان للطبري: ج25 ص33؛ تفسير الثعلبي: ج8 ص311؛ تفسير ابن كثير: ج4 ص121؛ تفسير السيوطي: ج6 ص7.
[7]       وورد في البحار بلفظ (سبابته).
[8]       البحار: ج45 ص43؛ الفتوح لأبن أعثم الكوفي: ج5 ص114.
([9]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فاطمة في نهج البلاغة، للسيد نبيل الحسني: ط: العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة. ص 292-297.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1347 Seconds