من مقاصدية وصية الإمام علي (عليه السلام) في أمواله....

مقالات وبحوث

من مقاصدية وصية الإمام علي (عليه السلام) في أمواله....

227 مشاهدة

رابعاً: المقاصدية في جعل التولية لأبني فاطمة (عليهم السلام) قربة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)
الحلقة الخامسة: قصدية التلازم في الآثار المرتبطة بالتعامل مع قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الدنيا والآخرة

بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدّم من عموم نِعَمٍ ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها والصلاة والسلام على حبيبه المنتجب ورسوله المصطفى أبي القاسم محمد وعلى آله أساس الدين وعماد اليقين.

وبعد:
اشتملت وصية أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في أمواله على جملة من العنوانات الشرعية والعقدية، فضلاً عن اكتنازها للعديد من المصاديق والمفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية وغيرها، وهو ما ستعرض له عبر جملة من المقالات، ومنها:
قصدية التلازم في الآثار المرتبطة بالتعامل مع قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الدنيا والآخرة .
إنّ لكل عمل من الاعمال آثاره المرتبطة به سواء كانت هذه الآثار دنيوية ام آخروية لاسيما تلك الاعمال الخاصة بقصدية الشريعة ورموزها كالأنبياء والمرسلين والحجج والمعصومين (سلام الله عليهم اجمعين).

وإنّ الاثار المرتبطة بقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي من اخطر الاثار تأثيراً وفعالية في الدارين الاولى والآخرة؛ ولقد كشفت المصادر الاسلامية في التاريخ والسيرة والتراجم وغيرها مما تناولت حياة المسلمين ورموزهم عن سرعة ظهور هذه الآثار في الحياة الدنيا حينما أقدم بعض المسلمين على انتهاك حرمة رسوله الله (صلى الله عليه وآله) في التعامل مع قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ولقد مرَّ في المسألة السابقة حديث الإمام الحسين (عليه السلام) ودعائه على عمر بن سعد وكيف نال آثار هذا التعرض لحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وكذا حال الذين تعرضوا لحرمة بقية الائمة (عليهم السلام) وابنائهم ويكفي في ذاك كاشفاً عن هذه الاثار ما نال الذين تعرضوا لفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكيف انقلب الذين ظلموها.

من هنا:
فان الروايات التاريخية والوقائع الحياتية كاشفة عن اظهار هذه الاثار المرتبطة بالتعامل مع قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
بمعنى:
مثلما جعل الله تعالى للإنفاق اثاراً دنيوية وآخروية تلحق العامل بها، كذا هو  حال التعامل مع أبني فاطمة (عليهم السلام).
ولذا:
لازم بينهما منتج النص (صلوات الله وسلامه عليه)، اي: لازم في تلك الاثار منبهاً على خطورة اغفال هذه المسألة الهامة حيث ينصرف الانسان الى عمل الانفاق بالمال والموقوفات والصدقات بغية الانتفاع منها بعد الموت ويغفل عن نفس هذه الاثار المرتبطة بالتعامل مع قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد الموت.
إذ سيجني الانسان بعد موته إما خيراً وفيراً ورحمة من الله واسعة فيكون في قبره منعماً في روضة من رياض الجنة أو في حفرة من حفر النار؛ كما أخبر المصطفى (صلى الله عليه وآله) عن حال الإنسان في قبره، فقال:

«إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار»[1].
وقد كشفت الروايات الشريفة ايضاً مثلما كشفت الوقائع الحياتية منذ استشهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) والى قيام الساعة عن هذه الآثار ما بعد الموت، ومنها، اي من هذه النصوص ما يلي:
1- أخرج العياشي (رحمه الله) (ت 320هـ) عن أبي عمرو الزبيري عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنه قال:
«من تولى آل محمد (صلى الله عليه وآله) بما قدم من قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو من آل محمد لتوليه آل محمد لا أنه من القوم بأعينهم وانما هو منهم بتوليه اليهم وأتباعه إياهم، وكذلك حكم الله في كتابه:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾.
وقول نبي الله ابراهيم(عليه السلام):
﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾»[2]
ونلاحظ هنا أثار مولاة آل محمد (صلى الله عليه وآله) وتقديمهم على النفس والناس لقرابتهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنه منهم لهذه الموالاة؛ ومن ثم له بذلك أن يكون في زمرتهم وجوارهم في الآخرة.
2- روى المحدث النوري في المستدرك، نقلاً عن التفسير المنسوب للأمام الحسن العسكري (عليه السلام)، أنه قال:

(إن رجلا جاع عياله فخرج يبغي لهم ما يأكلون، فكسب درهما فاشترى به خبزا وادما[3]، فمر برجل وامرأة من قرابات محمد وعلي (صلوات الله عليهما) فوجدهما جائعين، فقال: هؤلاء أحق من قراباتي فأعطاهما إياهما ولم يدر بماذا يحتج في منزله، فجعل يمشي رويدا يتفكر فيما يعتذر[4]، به عندهم، ويقوله[5] لهم، ما فعل بالدرهم إذا لم يجئهم بشيء؟ فبينا هو في طريقه إذا بفيج[6] يطلبه، فدل عليه فأوصل إليه كتابا من مصر وخمسمائة دينار في صرة، وقال: هذه بقية حملت[7] إليك من مال ابن عمك، مات بمصر وخلف مائة ألف دينار على تجار مكة والمدينة، وعقارا كثيرا ومالا بمصر بأضعاف ذلك، فأخذ الخمسمائة دينار فوسع على عياله، ونام ليلته فرأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعليا (عليه السلام)، فقالا له:
 «كيف ترى اغناءنا لك، لما[8] آثرت قرابتنا على قرابتك!؟» إلى أن ذكر أنه وصل إليه من أثمان تلك العقار ثلاثمائة ألف دينار، فصار أغنى أهل المدينة، ثم أتاه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال:
 «يا عبد الله، هذا جزاؤك في الدنيا على ايثار قرابتي على قرابتك، ولأعطينك في القيامة[9] بكل[10] حبة من هذا المال، في الجنة ألف قصر، أصغرها أكبر من الدنيا، مغرز كل إبرة منها خير من الدنيا وما فيها)[11].
والحديث غني عن البيان في تدعيم مصاديق هذه القصدية التي تقارب ما قصده منتج النص (صلوات الله وسلامه عليه) في جعل التولية لأبني فاطمة (صلوات الله عليهم اجمعين) في الدنيا والاخرة متقرباً بهما الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع ما لديه من المنزلة الخصيصة والقرابة القريبة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو القائل:
«وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وانا ولد، يضمني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل.....»[12].
هذا هو حال امير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهذا حال معرفته بمنزلة ابني فاطمة (عليهم السلام) وموضعهما منه ليس بلحاظ كونهما سبطاه وانما لأنهما متلازمان مع حرمته (صلى الله عليه وآله) وأن حرمته متلازمة مع حرمة الله (صلى الله عليه وآله).
ولذا: عرّج (عليه السلام) الى مقاصدية اخرى، فقال:
«وتكريما لحرمته».
فما هو مبتغاه من هذا اللفظ، وكيف سيتحقق هذا التكريم لحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في توليتهما على الاموال؟ وجوابه في المباحث القادمة[13].

 الهوامش:
[1]       الخرائج والجرائح للراوندي: ج1 ص172؛ سنن الترمذي: ج4 ص55.
[2]       تفسير العياشي: ج2 ص231.
[3]       في المصدر: وإداما.
[4]       في المصدر: يعتل.
[5]       في المصدر: يقول.
[6]       الفيج: هو الذي يحمل الاخبار من بلد إلى بلد، فارسي معرب، وهو ساعي البريد بتعبير عصرنا الحاضر (لسان العرب (فيج) ج2 ص350).
[7]       في المصدر: حملته.
[8]       في المصدر: بما.
[9]       في المصدر: الآخرة.
[10]      في المصدر: بدل كل.
[11]      مستدرك الوسائل النوري: ج12 ص382.
[12]      نهج البلاغة الخطبة القاصعة: ج2 ص156.
([13]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فاطمة في نهج البلاغة، للسيد نبيل الحسني: ط: العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة. ص 297-301.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1334 Seconds