من آثار قضاء الإمام علي عليه السلام في الفقه الجنائي على بناء الأساس الاجتماعي

مقالات وبحوث

من آثار قضاء الإمام علي عليه السلام في الفقه الجنائي على بناء الأساس الاجتماعي

314 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 23-09-2021

ثالثًا: اثر تطبيق عقوبة القصاص والدية

بقلم: م. م. وئام علي القره غولي

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ولا ينبغي الحمد إلا له، والصلاة والسلام على المحمود الصادق الأمين المنتجب المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين.
وبعد:
لاشَكّ أن فرض الأمن والطّمأنينة في الحياةِ الفَردية والاجتماعية مِن الأمور الأساسية التي سعى أميرُ المؤمنين (عليه السلام) إلى تحقيقِها في دولتهِ، وذلك عبرِ إقامةِ الحُدود على المُعتدين التي كانَ لها أثرٌ في اختفاءِ بوادر الانْحراف والفساد في المُجتمع، ولبيانِ تلك الآثار وإيضاحها سنتناول في هذا المَطلب أثر تطبيق حدّ الزّنا ومُلحقاته، وأثر تطبيق حد القذف، ومن ثمّ أثر  تطبيق عُقوبة القَصاص والدّية، إضافة إلى أثر تطبيق عقوبات التّعزير.

ثالثا: أثر تطبيق عقوبة القصاص والدية
إن اللهَ سبحانه وتعالى خلقَ الإنسان وكرمه، وسخر له مَا في السّماوات وما في الأرض وجعله خليفة عنه، وزوده بالقِوى والمَواهب ليصلَ إلى أقصى ما قدر له من كمالٍ مادّي وارتقاء روحي، ولا يمكن أن يحقق ذلك إلا  إذا توفرت له جميع عناصر النمو، وأخذ حقوقه كاملة، وفي طليعةِ هذه الحُقوق هو حقّ الحياة، وإن لهذهِ الحياة  قيمة عليا، وإن أي اعتداء لإزهاق حياة إنسان بغض النّظر عن ماهيةِ ذلك الإنسان، هو اعتداء على الإرادةِ الإلهية المانحة الوحيدة للحياة[1].

وقد جعلت الشّريعة عقوبة صارمة لمَن يتعدى على حياةِ إنسان، وهي أن يعاقب الجاني بمثلِ ما جنى، فيقتلُ كما قتل ويجرحُ كما جرح، قال تعالى:)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ([2].
فجريمة القتل تُعد جريمة عامّة لا تخص المَجني عليه فقط، بل جريمة تخصّ الإنسانية بأجمعِها، جريمة سلَبت أهم حق مِن حُقوق الإنسان التي مَنحها الله له، لذلك عدّها الإمام علي (عليه السلام) من الكبائرِ إذ يقول: من ((الكبائر.. الكفر بالله، وقتل النفس))[3].
وحذر الإمام علي(عليه السلام) من ارتكابِها بقوله: ((ثلاثة لا يدخلونَ الجّنة، سفاك الدم، وعاق والديه، ومشاء بالنّميمة))[4]، وذلك لما لهذهِ الجّريمة من الخطرِ الكبير على الفردِ والمُجْتمع، لذا كانَ الإمامُ علي(عليه السلام) شديدا وحاسما في تنفيذِ العقوبةِ على مَن اعتدى على الآخرين سواء بالقتل أو الجرح، فقد روي عنه (عليه السلام) أنّه ((قتلَ حرًا بعبدٍ قتله عمدًا))[5].
وكذلك أنّه كانَ يَقتص من جسدِ الذي جرحَ الآخرين واعتدى عليهم بمثلِ ما فعل، فقد روي عنه (عليه السلام) أنّه قال:  ((في الأعورِ إذا فقأ عين صحيح، تفقأ عينه الصحيحة))[6].
وإن لهذهِ العُقوبات أثرها في تحقيقِ الرّدع والزّجر في المُجتمع، وقد بيّن ذلك الإمام زين العابدين(عليه السلام) في شرحِ قوله تعالى:)وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ([7]، ((لأن مَن هم بالقتلِ يعرفُ أنّه يقتص منه، فكف لذلك عن القتلِ، كانَ حياة للذي كان همّ بقتله، وحياة لهذا الجاني الذي أرادَ أن يقتل، وحياة لغيرهما مِن النّاس إذا علموا أن القصاص واجب لا يجسرونَ على القتلِ مخافة القصاص))[8].
فالشّريعة الإسلامية حَاربت الدّافع النّفسي الذي يدعو إلى القتلِ بدافع نفسي مضاد، وذلك ما يتفقُ تمام الاتفاق مع علم النفس الحديث[9].
وقد أشارَ الإمامُ علي (عليه السلام) إلى أبعاد هذه العقوبة بقوله: ((فرضَ الله... القصاص حقنا للدماء))[10]، فإذا وَقعت الجّريمة وحَصلَ القتل أو الجرح عَمدا، فإن المجني عليه أو أولياءه يثورُ غضبهم للأخذِ بثأرِهم، ولا يدفعُ ذلك عنهم إلا القصاص دونَ العُقوبات الأخرى، لأن القصاص هو الّذي يشفي غيظ المجني عليه إذا مُكن مِن مُعاقبة الجّاني بمثلِ ما صنعَ به، ويشفي غيظ أولياء المَقتول؛ لأنّهم تمكنوا من الأخذ بحقّهم، إلا إذا حصلَ التأثير عليهم بترغيبِهم بالمالِ أو الثواب فيعفو عن القصاص، وشفاء غيظ المجني عليه أمر لابدّ منه، لأن إهماله يفتح القتل بالثأر[11]، وقد وصفَ الإمامُ (عليه السلام) ذلك بقوله: ((لكلّ دم ثائرا...))[12].
وإلى جانبِ القَصاص شَرّعت الشّريعة الإسلامية باب العفو عن القصاصِ، مع جواز أخذ أولياء الدم الديّة مِن الجاني، إذ وردَ عن الإمام موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) أنه قالَ: ((قالَ أمير المؤمنين (عليه السلام): في بيانِ فضل النبي (صلى الله عليه وآله) (وأمته): ومِنها أن القاتل منهم عمدًا إن شاء أولياء المقتول أن يَعفوا عَنه فعلوا، وإن شاؤا قبلوا الديّة، وعلى أهلِ التوراة أن يقتل القاتل ولا يعفى عنه ولا يؤخذ منه ديّة، قالَ الله عز وجل: (ذَلِكَ تَخْفِيْفٌ مِن رَّبِكُمْ وَرَحْمَةٌ)[13]))[14].
وإن الأصل في عقوبةِ الديّة هو ثبوتها في القتلِ والجرح شبه العمد والخطأ، قال تعالى: )وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ([15]، إذ تعد حق للمجني عليه، وقد أكدَ الإمامُ علي (عليه السلام) على هذا الحق في كثيرٍ مِن أقوالهِ منها ما جاء في عهدهِ إلى مالك الأشتر: ((ِيَّاكَ والدِّمَاءَ وسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا....وإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَإٍ - وأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبَةِ - فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً - فَلَا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ - عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ))[16].
وان لهذهِ العُقوبة الأثر الكبير في تقويةِ الروابط الاجتماعية بينَ الأفراد، ونستطيعُ أن نَلتمس ذلك الأثر مما ورد في الرّوايات عن أمير المؤمنين(عليه السلام) إذ روي عن الإمام جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) ((أنّ عليًا (عليه السلام) قضى في قتلِ الخطأ بالديّة على العاقلة..))[17]، وكذلك ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((عَن علي (عليه السلام) أنه قال: ما قتل المَجنون المغلوب على عقلهِ والصبي، فعمدهما خطأ على عاقلتهما))[18].
فإنّ مساهمة العاقلة في دفعِ الدية يعد مبدأ مِن مبادئ التّكافل العائلي الاجتماعي، لا مِن مبدأ المَسؤولية الجنائية، ولذا نرى أن العاقلة في قتلِ العَمد لا تتحمل شيئا  وإنّما تكون الديّة، وإن لم يكن قصاص في مال القاتل[19].
 إذ إن هذه النّظرة الاجتماعية لها أهميّة كبيرة في تقويةِ الأواصر بينَ الإفراد، ومِن هذا المُنطلق  نجدُ أن الإمامُ عليًّا(عليه السلام) كانَ يؤكد في قضائهِ على مَن يقتل خطأ بسؤال عن عشيرتهِ وقرابته فقد وردَ عن سلمة بن كهبل قال: ((أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجلٍ قد قتل خطأ فقالَ له أمير المؤمنين (عليه السلام) من عشيرتِك وقرابتك؟ فقالَ: مالي بهذهِ البلدة عشيرة ولا قرابة، قالَ: فقالَ فمن أيّ أهل البلدان أنت؟ فقالَ: أنا رجل من أهلِ الموصل ولدت بها ولي قرابة وأهل بيت، قالَ: فسألَ عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) فلم يجدْ له بالكوفةِ قرابة ولا عشيرة، قال: فكتبَ إلى عاملهِ على الموصل: أمّا بعد فإنّ فلُان ابن فلان وحليته كذا وكذا قتل رجلا من المُسلمين خطأ فذكر أنّه رجل مِن الموصل وأنّ له بها قرابة وأهل بيت...وإن لم يكن لفُلان بن فلان قرابة مِن أهلِ الموصل ولا يكون من أهلِها، وكان مبطلا فردّه إليّ مع رسولي فُلان بن فلان إن شاء الله، فأنا وليّه والمؤدي عنه ولا أبطل دم امرئ مسلم))[20].
وبناء على ذلك يظهر أنّ لعقوبةِ القصاص والديّة أثرا في اختفاءِ العداوةِ والبغضاء بينَ أفراد المُجتمع، إذ إن في القصاص إرضاء لولي الدم، وإخماد لغيضه، وفي الديّة يتحققُ الصّلح والتّكافل الاجتماعي مما يجعلُ لهذه العُقوبات أثرًا في تحقيقِ الأمن والاستقرار الاجتماعي بين الأفراد.[21].

الهوامش:
[1] ينظر: فقه السنة: سيد سابق، 2/507.
[2] سورة البقرة: الآية 187.
[3] جامع أحاديث الشيعة: البروجردي، 1/139.
[4] عيون الحكم والمواعظ: الواسطي، ص 215.
[5] وسائل الشيعة: الحر العاملي، 19/72.
[6] مستدرك الوسائل: الميرزا النوري، 18/281.
[7] سورة البقرة: الآية 179.
[8] الاحتجاج: أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب  الطبرسي، دار النعمان، النجف، د ط، 1386هـ، ص50.
[9] ينظر: التشريع الجنائي الإسلامي: عبد القادر عودة، 1/664.
[10] موسوعة أحاديث أهل البيت (عليه السلام): هادي النجفي، دار إحياء التراث، بيروت، ط1، 1423هـ، 3/451.
[11] ينظر: الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي: محمد ابو زهرة، دار الفكر العربي، د ط، 1418هـ، ص336.
[12] الإرشاد: المفيد، 1/277.
[13] سورة البقرة: الآية 178.
[14] بحار الأنوار: المجلسي، 101/389.
[15] سورة النساء: الآية92.
[16] مستدرك الوسائل: الميرزا النوري، 13/171.
[17] جامع أحاديث الشيعة: البروجردي، 26/317.      
[18] مستدرك الوسائل: الميرزا النوري، 18/236. 
[19] ينظر: بين الجاهلية والإسلام: محمد مهدي شمس الدين، المؤسسة الدولية للدراسات، بيروت، ط4، 1415هـ، ص 108.
[20] مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب،2/195.
([21]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الفقه الجنائي في قضاء الإمام علي عليه السلام وأثره في بناء الدولة الإسلامية، الدكتورة ناهدة الغالبي، الباحثة وئام القره غولي، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 244-249.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1397 Seconds