من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: 6- الخسارة

مقالات وبحوث

من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: 6- الخسارة

418 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 01-06-2022

بقلم: الدكتورة سحر ناجي المشهدي

الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..

وبعد:
ورد لفظ (الخسارة) في نهج البلاغة في سبعة عشر موضعاً ليدل على:
1- الخسارة الحقيقية (المادية):  
جاء هذا النوع من الخسارة في كتاب الإمام (عليه السلام) لشريح القاضي حين عاتبه على ابتياعه الدار قائلا: «فَانْظُرْ يَا شُرَيْحُ لاَ تَكُونُ ابْتَعْتَ هذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الَّثمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلاَلِكَ! فَإِذَا أَنْتَ قدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الاْخِرَةِ! »[1]، قابل بين (عمل وقصر)  و(نفع،  خسر)  و(لم يضرر،  ضره)،  فخسارته للدار في الدنيا شي حقيقي، أمّا خسارة الدار الآخرة فهي خسارة مجازية للأعمال.          
2- الخسارة المجازية:  هذا النّوع من الخسارة هو الغالب في نهج البلاغة، الفعل الماضي من مادة (خسر)  أربع مرات في النَّهْج،  وذلك في قوله (عليه السلام): «أَلاَ وَإِنَّكُمْ في أَيَّامِ أَمَل مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ،  فَمَنْ عَمِلَ في أَيَّامِ أَمَلهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضرُرْهُ أَجَلُهُ ؛ وَمَنْ قَصَّرَ في أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ،  فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ، أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ »[2]، فلو كان الكلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدّنيا، ويضْطّر إلى عمل الاخرة لكان هذا الكلام،  وقادحا زناد الاتّعاظ والازدجار[3].
وجاء اسم التفضيل مفردا ومجموعا، ومقترن بـ(ال) واسم التفضيل المقترن بـ(ال) يدلُّ على المفاضلة أقوى من المجرد منها، فهذه الصيغة تستلزم أن يكون الموصوف بها في أعلى درجات المفاضلة[4].
وجاء اسم التفضيل (أخْسَر) مرة واحدة، منها قوله (عليه السلام): «وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِكْمْ فِي دُنْيَاكُمْ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ وَمَا أخْسرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ،  وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الامَانُ مِنَ النَّارِ ! »[5]، إذ جاء التعجب القياسي على صيغة (ما أفعل).

وقابل الإمام (عليه السلام) بين اسم الفاعل (رابح وخاسر) في قوله: «فَكَمْ مِنْ مَنْقُوص رَابح وَمَزِيد خَاسِر!»[6]. و(كَم) خبرية فما بعدها جاء مجرورا بـ (من).
والمقابلة بين:  منقوص،  مزيد،  وقصد الإمام (عليه السلام)  كم من منقوص في دينه هو رابح في آخرته،  وكم من مزيد في دنياه هو خاسر في آخرته،  الذي أمرتم به اوسع ممّا حرم عليكم[7].
  وقوله في خطبة ذكر الموازين والمكاييل: « عِبَادَ اللهِ، إِنَّكُمْ ـ وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا ـ أَثْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ، وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ:  أَجَلٌ مَنْقُوصٌ،  وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ،  فَرُبَّ دَائِب مُضَيَّعٌ،  وَرُبَّ كَادِح خَاسِرٌ»[8] قابل بين (دائب،  كادح)،  و(مضيع،  خاسر)
فقد استعمل الإمام (عليه السلام) لفظة (خُسْـرٍ) لعموم الخَسارة، وهي مطلقة سواء أكانت قليلة أم كثيرة، من كتاب كتبه (عليه السلام) إلى معاوية قائلا: «فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ! فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ لَكَ سَبِيلَكَ، وَحَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ، فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْر»[9]،  و(خُسْرِ) عموم الخسارة، فكل إنسان هو في خُسْرٍ قليل او كثير، فكل مؤمن يرى أنّه خسر شيئا كان ممكن أن يستزيد منه. 
وجاء الإمام (عليه السلام) بـ(خُسْرَان)؛ ليدلّ على قوة المصدر والمبالغة فيه.  ويدلّ على أكبر الخُسْرانِ وأعظمه [10].
وذلك في قوله: « مَعَاشِرَ النَّاسِ،  اتَّقُوا اللهَ،  فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّل مَا لاَ يَبْلُغُهُ، وَبَان مَا لاَ يَسْكُنُهُ،  وَجَامِع مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ،  وَلَعَلَّهُ مِنْ بَاطِل جَمَعهُ،  وَمِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ،  أَصَابَهُ حَرَاماً،  وَاحْتَمَلَ بِهِ آثَاماً،  فَبَاءَ بِوِزْرهِ،  وَقَدِمَ عَلَى رَبِّهِ،  آسِفاً لاَهِفاً،  قَدْ (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)»[11]. فالخُسْران:  أعظم الخسارة وأكثرها،  ولمّا كانت زيادة المباني دليل على زيادة المعاني،  زاد الألف والنون في المصدر لزيادة حجم الخسارة،  وكأنها خسارة مرتين،  من ذلك يتضح لنا أنّ (الخُسْر)  مطلق وهو البداية،  والخَسْرَان أعظم الخسارة.  فالخُسْر: النقصان، والخسران نقصان أكثر، والفعل: خَسِرَ يَخْسَرُ خُسْرانا، والخَاسِر: الذي وُضِع في تجارته او غبن، ومصدره: الخسارة والخُسْر، ومنه صفقة خاسرة: أي غير مربحة.. قال تعالى: {وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}[12].
والخُسْرُ: مصدر يطلق على النقص الكلي في مقابل الربح [13].
قال احمد بن فارس: «الخاء والسين والراء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على النَّقْص.  فمن ذلك الخـُسـْـر والخـُسْران،  كالكـُفر والكـُفرَان والفـُرق والفـُرقان.  ويقال خَسَرتُ الِميزانً وأخْسَرتُه، إذا نقَصتَه»[14].
   ويعني النَّـقْص فيما شأنه النـَّـماء، وهي بانتقاص رأس المال، وعلى ذلك يقال: خَسـِر فـُلان في تـِجَارَتِه خَساَرَة وخُسْرَا وخُسْرَانَا؛ أي نقص رأس ماله[15].  ويقال: خَسِرَت تِجَارَته ورَبِحَت، وتِجَارَة خَاسِرة ورَابِحَة، ومَنْ لم يُطِعْ الله فهو خاسر، فهو من المجاز. وتنسب الخسارة للإنسان فيقال: خَسِرَ فلان، وللفِعل، فيُقال: خَسِرتْ تِجَارَته[16])[17].

الهوامش:
[1] نهج البلاغة: ك 3، 270.
[2] خ 28،  34.
[3] ظ:  شرح نهج البلاغة:  محمد عبدة:  1 / 68.
[4] ظ:  معاني النحو:  فاضل السامرائي:  4 / 320.
[5] نهج البلاغة: الحكم القصار: 37، 360.
[6] خ 114،  120.
[7] ظ:  شرح نهج البلاغة:  ابن ابي الحديد:  7 / 202.
[8] نهج البلاغة: خ 129، 132.
[9] ك 30،  291.
[10] ظ: التحرير والتنوير: ابن عاشور: 23 / 361.
[11] نهج البلاغة: الحكم القصار: 344، 403، الحج / 11.
[12] العصر / 1 ـ 2.
[13] ظ: القاموس المحيط: 2 / 68.
[14] مقاييس اللغة:  2 / 182.
[15] ظ:  المفردات في غريب القران:  1 / 23.
[16] ظ:  أساس البلاغة:  1 / 306.
[17]لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 80- 84.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1846 Seconds