من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام قوله (عليه السلام): «وصَيَتُكُم مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَنِي بِتَقْوَى رَبِّكُم».

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام قوله (عليه السلام): «وصَيَتُكُم مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَنِي بِتَقْوَى رَبِّكُم».

744 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 02-08-2023

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل

((الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:

قوله عليه السلام: «وصَيَتُكُم مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَنِي بِتَقْوَى رَبِّكُم».

وَصَيْتُكُم
تدلُّ مادَّة (وصي) في اللُّغة على الصِّلة، والوصل، والتَّقدُّم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوعظ. جاء في (تهذيب اللُّغة): «وصيت الشَّيء ووصلته سواء. وقال ذو الرِّمة:

نَصِي اللَّيلَ بالأَيَّام حتَّى صَلاتنا             مقاسمة يشَتقُّ أَنصافَها السَّفَرُ[1]
وفلاة ــ واصية يتَّصل بفلاة أُخرى... وقال الأَصمعيّ: وصى الشَّيء يصي: إذا اتَّصل. ووصاه غيره يصيه. وقال اللَّيث: الوصاةُ كالوصيَّة... ويُقال: وصيٌّ بيِّن الوصاية، والفعل أَوصيت ووصيت إيصاءاً وتوصية. والوصيَّة: ما أَوصيت به، وسمِّيت وصيَّةً لاتِّصالها بأَمر الميِّت»[2].
وقال الجوهريّ: «أَوصيت له بشيء، وأَوصيت إليه، إذا جعلته وصيَّك. والاسم الِوصايةُ والوَصايةُ. وأَوصيتُه، ووصَّيتُه أَيضاً توصية بمعنى. والاسم: الوَصاةُ. وتواصى القومُ، أَيْ: أَوصى بعضهم بعضاً... ووصَّيتُ الشَّيء بكذا، إذا وصلتُه... وأَرض واصية: متَّصلة النَّبات. وقد وَصَت الأَرضُ إذا اتَّصل نبتُها. ورُبَّما قالوا: تواصى النَّبتُ، وإذا اتَّصل. وهو نبت واصٍ»[3].
وجاء في (أَساس البلاغة): «... ووصى النَّبت: اتَّصل وكثر. وأَرض واصية النَّبات. وواصى البلد البلد: وأَصله. وأَوصيت إلى زيد لعمرو بكذا ووصَّيت، وهذا وصيِّي، وهم أَوصيائي، وهذه وصيَّتي ووصاتي، وقبل الوصيُّ وصايته، وهي مصدر الوصيِّ. ومن المجاز: (أُوصيك بتقوى الله) «ووصىَّ بها إبراهيم بنيه» ووصيِّك بفلان أَنْ تبرَّه وبأَرضي أَنْ تعمرها. واستوصِ بفلان خيراً»[4].
وقال الفيروزآباديّ: «وصى، كَوَعى خسَّ بعد رفعه، واتَّزن بعد خفَّة، واتَّصل، وَوَصل، والأَرضُ وصْياً ووُصيَّا ووَصاءٌ ووَصاءَةٌ اتَّصل نباتها ــ وأَوصاهُ ووصَّاه توصيةً عَهِدَ إليه. والاسم الوَصاة والوِصاية، والوصيَّةُ، وهو المُوصَى أَيضاً. والوَصِيُّ المُوصِي، والمُوصى...»[5].
وبهذا الفعل «وصيتكم» صدَّر أَمير المؤمنين (عليه السلام) (عليه السلام) وصيَّته في الخطبة، وورد الفعل فيها موافقاً دلالته اللُّغوية؛ فأَمير المؤمنين (عليه السلام) يريد أَنْ يصل، ويوصل، ويتقدَّم لِمَنْ حضر في مجلسه وعظاً مقترناً بالعمل به، وأَيّ وعظٍ هذا يصدر عن سيِّد الواعظين! إذ قال (عليه السلام): «وصَيَتُكُم مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَنِي: بِتَقْوَى رَبِّكُم».
فبعد أَنْ ابتدأَ أَمير المؤمنين (عليه السلام) خطبته بالحمد والثــَّناء على الله ـ تبارك وتعالى ـ وتنزيهه ببيان صفاته وأَفعاله، شاهداً له بالرُّبوبيَّة، ولمحمَّد ــ صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ــ بالرِّسالة، مع بيان صفاته ــ صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بدأَ بتقديم الوعظ لِمَنْ حضره في ذلك المجلس.
و(وصيتكم) فعل ماضٍ مبنيٌّ على السُّكون؛ لاتِّصاله بتاء الفاعل، والتَّاء ضمير متَّصل في محلِّ رفع فاعل، عائد إلى أَمير المؤمنين (عليه السلام)، و(كم) ضمير متَّصل مبنيٌّ في محلِّ نصب مفعول به، عائد إلى (معشر من حضرني) )[6].

الهوامش:
[1]. ديوانه: 45.
[2]. تهذيب اللغة: 4/232.
[3]. الصحاح في اللغة: 2/282.
[4]. أساس البلاغة: 2/19. وينظر: العين: 2/48، مفردات ألفاظ القرآن: 873، والمحيط في اللغة: 2/239، ولسان العرب: 15/294، وتاج العروس: 1/8648.
[5]. القاموس المحيط، 3/485.
[6] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 142-144.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2663 Seconds