الأخلاق من نهج البلاغة: 2. هداية الخلق إلى الحق

سلسلة قصار الحكم

الأخلاق من نهج البلاغة: 2. هداية الخلق إلى الحق

347 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 20-09-2021

بقلم: الشيخ محسن علي المعلم

((الحمد لله كما هو أهله، والصلاة والسلام على هداة الخلق إلى الحق، محمد وآله الطاهرين))
أما بعد:
قال عليه السلام:
«وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وَبَعَثَ إلى الْجِنِّ وَالإِْنْسِ رُسُلَهُ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُم عُيُوبَهَا، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَر مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا، وَحَلاَلِهَا وحَرَامِهَا، وَمَا أَعَدَّ سُبْحَانَهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالْعُصَاةِ مِنْ جَنَّة وَنَار، وَكَرَامَة وَهَوَان»[1].
ويقرر الإمام j بعد أن صدّر خطبته بجملة من صفات الله تعالى أنه -سبحانه- خلق الثقلين وجعل الدنيا لهم سكنًا، ولطف بهم فلم يتركهم هملًا بل بعث إلى القبيلين رسله العالمين بمقاصده الواقفين على هديه، ومهمتهم العظمى الإرشاد إلى الحق، والكشف عن حقيقة الدنيا التي هم فيها مقيمون وعنها راحلون، والتبصير الدقيق بما انطبعت عليه واصطبغت به شؤونها، فيها ضراء فليحذروا منها، وفيها أمثال وعبر جرت على من حلّ بساحتها، وفيها معايب فليعلموها، وليتجنّبوها.
وقد مكّن الله رسله المصطفين من أدوات التبليغ وآلاته بمنطق من القول معبر يجسد للخلق عوارض الدنيا وتبدل أحوالها ومواطن الضعف والقوة فيها والضر والنفع بل وما شرع فيها ولها من أحكام فشمل كافة جنباتها وتعم الساكنين فيها.
ومن مهام هداة الخلق إلى الحق تقرير أمر المعاد ومجازاة العباد، وأن الله عدل لا يجور، فكل يقدم على ما قدّم، ولا يخرجون عن دائرة الإطاعة والعصيان، وقد أعدّ لهم خالقهم ومن له الحجة البالغة عليهم مجازاتهم على أعمالهم فلأهل الطاعة الجنة والكرامة، ولأهل المعصية النار والهوان.

ومقولة علي هي مقولة الله في قرآنه:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[2].
﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾[3].
﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾[4].
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾[5].
﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾[6].
﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[7].
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذَّبِينَ﴾[8].
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾[9].
﴿يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه﴾[10].
﴿أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾[11].
﴿فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسان مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى * فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى﴾[12].
﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾[13].
وقد جمع الإمام في كلمه البليغ وحديثه الوجيز أصول العقائد حيث أصل التوحيد المنبثق عنه تفرد الله تعالى  بالخالقية وقوامه العدل في البرية والقضية ثم عرّج على حكمة بعث المرسلين وما زوّدهم به باعثهم بقدرات أقدرهم عليها وملكات يتحلون بخصائصها ليهدوا الخلق إلى الحق؛ إلى صراط مستقيم ثم ختم قوله بعود العباد إلى ربهم يوم المعاد وتوفيتهم حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم بالنعيم الدائم والجحيم المقيم..[14].

الهوامش:
[1] خ 183 /26.
[2] سورة الذاريات /56.
[3] سورة الملك /2.
[4] سورة الشورى /13.
[5] سورة الزمر /71.
[6] سورة فاطر /24.
[7] سورة الأنعام /151.
[8] سورة آل عمران /137.
[9] سورة يوسف /109.
[10] سورة الانشقاق /6.
[11] سورة القلم /35-36.
[12] سورة النازعات /34-41.
[13] سورة هود /105-108.
[14] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأخلاق من نهج البلاغة: الشيخ محسن علي المعلم، العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، ط1، ص 40-44.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1644 Seconds