الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام 8- قوله عليه السلام: ((إنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لَا يُسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا فِيهَا...))

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام 8- قوله عليه السلام: ((إنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لَا يُسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا فِيهَا...))

207 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 13-11-2022

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
فأن مما ورد في نهج البلاغة حول الدنيا أنه عليه السلام ذكرها في خطبة أولها:
أَلَا وإِنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لَا يُسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا فِيهَا ولَا يُنْجَى بِشَيْءٍ كَانَ لَهَا - ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً فَمَا أَخَذُوه مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْه وحُوسِبُوا عَلَيْه ومَا أَخَذُوه مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْه وأَقَامُوا فِيه فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظِّلِّ بَيْنَا تَرَاه سَابِغاً حَتَّى قَلَصَ وزَائِداً حَتَّى نَقَصَ.

شرح الألفاظ الغريبة:
بينا: أصله بين بمعنى التوسط فأشبعت الفتحة فحدثت ألف، وقد تزاد ما فيقال بينما والمعنى واحد، وتحقيق الظرفية هنا أنّ الظل دائر بين السبوغ والتقلص والزيادة والنقصان وقلص الظل: نقص أو انقبض ؛ سابغاً : ممتدّاً ساتراً للأرض.
شرح ابن ميثم البحراني:
الغرض من هذا الفصل: التحذير من الدنيا، والتنبيه على وجوب لزوم أومر الله فيها وأشار إلى ذلك في أوصاف لها:
الأوّل: كونه: ((لا يسلم منها إلاّ فيها))، وتحقيق ذلك: أنّه لا دار إلاّ الدنيا والآخرة، وقد علمت أنّ أسباب السلامة هي الزهد والعبادة وسائر أجزاء الرياضة، وشيء منها لا يمكن في الآخرة، بل كلّها أعمال متعلّقة بالبدن؛ فإذن لا يتحقق ما يلزمها من السلامة من الدنيا إلاّ في الدنيا.

الثاني: كونها ((لا ينجي بشيء كان لها)).
وفيه إيماء إلى ذم الرياء في الأقوال والأفعال، وتحذير من كل عمل وقول قصد به الدنيا فإنّ شيئاً من ذلك لا حظّ له في استلزام النجاة في الآخرة، بل ربما كان سبباً للهلاك فيها لما أنّ الاشتغال بمهمّات الدنيا منسٍ للآخرة.

الثالث: كونها قد ((ابتلي الناس بها فتنة)).
وفتنةً منصوب بالمفعول له، ويحتمل أن يكون مصدراً سدّ مسدّ الحال، ونحوه قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[1] ولنبحث عن معنى الابتلاء بالدنيا وكونها فتنة.
اعلم أنّه ليس المراد أنّ الله تعالى لا يعلم ما يؤول إليه أحوال العباد وما يكون منهم بعد خلقهم وابتلائهم بالدنيا؛ فإنّه تعالى هو العالم بما كان وما يكون قبل كونه، كما قال تعالى: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}[2].

وقوله تعالى: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }[3]، بل الكشف عن حقيقة الابتلاء إنه لما كان الإنسان إنّما يكون إنساناً بما خلق فيه من القوى الشهوية والغضبيه وما يتبعهما، وكان لهذه القوى ميول طبيعية إلى حاضر اللذات الدنيويّة فهي مشتهياتها ولا ابتهاج لها إلاّ بها، ولا حظ لها من غيرها، وكانت النفوس الإنسانية مخالطة لهذه القوى وهي آلاتها، ولا وجه لها في تصرفاتها غالب الأحوال إلا هي، وكانت تلك القوى في أكثر الخلق جاذبة لنفوسها إلى مشتهياتها الطبيعية بالطبع، وكانت تلك النفوس في أكثر الناس منقادة لقواها، معرضة عن الآخرة، مشغولة بحاضر ما وجدته من لذات الدنيا، ومنازعة هذه القوى في مشتهياتها وجذبها عن التوجه بكليتها إليها؛ لمتابعة النفس في التفاتها عن ذلك إلى أمر لا يتصور في الدنيا إلا بالأوصاف الخيالية كما هو وظيفة الأنبياء عليهم السلام مع الخلق، كانت إرادته تعالى لذلك الالتفات مع ما هم فيه من منازعة الهوى، فإن أطاعوه هلكوا وإن عصوه نجوا صورة امتحان.
فأشبه ذلك ما يعتمده أحدنا عند عبده إذا مثلا اختبار صبره ومحنته له فوهب له جميع ما يشتهيه، ثم كلفه مع ذلك بتكاليف شاقة لا يتمكن من فعلها إلا بالتفاته من مشتهاه وتنغيصه عليه، فلا جرم صدقت صورة الابتلاء والاختبار من الله في الوجود، وكذلك ظهر معنى كونها فتنة فإن الفتنة الامتحان والاختبار، وان قدرناها حالاً فهي بمعنى الضلال ويعود إلى جذبها للنفوس إلى حاضر لذاتها عن سنن الحق.
الرابع: كونهم ((ما أخذوه منها أخرجوا منه وحوسبوا عليه)) وهو تنبيه على وجوب قصد الآخرة بما يؤخذ من الدنيا ويتصرف فيه، وتنفير أن يجعل المأخوذ منها لمجرد التمتع بها بذكر وصفين:
أحدهما: وجوب مفارقة المأخوذ منها والإخراج منه.
والثاني: الحساب عليه في الآخرة[4] ...الخ)([5]).

الهوامش:
[1] الأنبياء: 35.
[2] النمل: 75.
[3] الحديد: 22، وفي شرح الخطبة جاءت الآية هكذا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السماء...﴾
[4] شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني 2: 158- 160/ شرح الخطبة رقم 60.
([5]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 48-51.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2241 Seconds