الدنيا في كتاب له (عليه السلام) كتبه لشريح بن الحارث قاضيه

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في كتاب له (عليه السلام) كتبه لشريح بن الحارث قاضيه

17 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 02-02-2026

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:

روي أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين (عليه السلام) اشترى على عهده داراً بثمانين ديناراً، فبلغه ذلك ، (فاستدعى شريحاً)، وقال له :

بَلَغَنِي أَنَّكَ أَبْتَعْتَ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً، (وَكَتَبْتَ كِتَاباً) وَأَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُوداً.

فقال شريح: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين.

قال: فنظر إليه نظر المغضب ثم قال له:

يَا شُرَيْحُ، أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لَا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ ، وَلَا يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ ، حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصاً، وَيُسَلِّمَكَ  إِلَى قَبْرِكَ خَالِصاً ، فَانْظُرْ يَا شُرَيْحُ لَا تَكُونُ ابْتَعْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلَالِكَ ! فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الْآخِرَةِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا اشْتَرَيْتَ لَكَتَبْتُ لَكَ كِتَاباً عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ، فَلَمْ تَرْغَبْ فِي شِرَاءِ هَذِهِ الدَّارِ بِدِرْهَمٍ فَمَا فَوْقُ).

هَذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ ، مِنْ مَيِّتٍ قَدْ أُزْعِجَ لِلرَّحِيلِ ، أَشْتَرَى مِنْهُ داراً مِنْ دَارِ الْغُرُورِ ... - إلى أن يقول عليه السلام : - شَهِدَ عَلَى ذَلِكِ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى، وَسَلِمَ مِنْ عَلَائِقِ الدُّنْيَا([1]) .

شرح الألفاظ الغريبة:

شاخصاً: ذاهباً مبعداً([2]).

الشرح:
غرض الفصل التنفير عن متاع الدنيا وعن الركون إلى فضولها، وبدء قبل توبيخه باستثبات الأمر منه بقوله: «بلغني ..» إلى قوله: «شهوداً»: و كان ـ في قول شريح: قد كان، تامة.

ثم أخذ في تنفيره عن محبة هذه الدار واقتنائها بتذكيره الموت ووعده بإتيانه وأنه يخرجه منها ويسخطه فيسلمه إلى قبره خالصاً مجرداً من تلك الدار وعن كل قينة اقتناها من الدنيا، ثم خوفه من دخيلة ثمنها وأن يكون فيه شائبة حرام وارتشاء على الأحكام بما يستلزمه ذلك من خسران الدنيا بالموت وخسران الآخرة ونعيمها باعتبار ما لزمه من الآثام بأكل الحرام وابتعته واشتريته بمعنى، وروي «أما» مخففة .

فإن قلت: فكيف قال: فما فوقه؟ ومعلوم أنه إذا لم يرغب فيها بدرهم فبالأولى أن لا يرغب فيها بما فوقه.

قلت: لما كان الدرهم هنا أقل ما يحسن التملك به في القلة وكان الغرض أنك لو أتيتني عند شرائك هذه الدار لما شريتها بشيء أصلاً لم يحسن أن يذكر وراء الدرهم ما فوقه، ونحوه قول المتنبي :

ومن جسدي لم يترك السقم شعرة                                   فما فوقها إلا وفيها له فعل

وكان قياسه أن يقول : فما دونها .

واعلم أن في النسخة نكتاً:
إحديها: خص المشتري بصفة العبودية والذلة كسراً لما عساه يعرض لنفسه من العجب والفخر بشراء هذه الدار.

الثانية: أطلق لفظ الميت على من سيموت يعني البايع مجازاً إطلاقاً لما بالفعل على ما بالقوة، وتنزيلاً للمقتضي منزلة الواقع لغرض التحذير من الموت وإزعاجه للرحيل إلى الآخرة إما ترشيح الاستعارة أو إشارة إلى إيقاظه وتنبيهه بالأعراض والأمراض وكل مذكر له من العبر. وفي بعض النسخ من عبد قد أزعج.

الثالثة: كنى بدار الغرور عن الدنيا باعتبار غرور الخلق بها وغفلتهم بما فيها عما وراها.

قوله: «في الشهادة على ذلك العقل ...» إلى آخره، في غاية الشرف وذلك أن الشاهد بما ذكره في هذا الكتاب من أوصاف المتبايعين وحدود المبيع ومن يلحقه دركه وغير ذلك مما عدده ليس إلا صرف العقل المبرء عن خطر الوسواس، المطلق من أسر الهوى، السالم عن محبة الدنيا وما يتعلق به منها . إذ كان بتجرده من هذه العلائق صافياً من كدر الباطل فيرى الحق كما هو أهله ويحكم به فأما إذا كان أسيراً في يد الهوى مقهوراً تحت سلطان النفس الأمارة لم يكن نظره إلى الحق بعين صحيحة بل بعين غشت ظلمات الباطل أنوارها فلذلك لم يشهد بمحض الحق إذ لم يره من حيث هو حق خالص بل شهد بالباطل في صورة الحق كشهادته بالمصلحة في اقتناء الدنيا نظراً لعاقبة الولد أو خوف الفقر ونحوه مما يباح لأجله الطلب في ظاهر الشرع ولو نظر إلى الحق بعين الصدق لعلم أن الجمع للولد ليس تكليفاً له لأن رازق الولد هو خالقه، وأن الجمع لخوف الفقر تعجيل فقر واشتغال عن الواجب عليه بغيره، وبالله التوفيق([3]) )([4]).

الهوامش:
([1]) نهج البلاغة لصبحي صالح : ٣٦٤ - ٣٦٥ / من كتاب له عليه السلام رقم ٣، ونهج البلاغة للشيخ العطار : ٤٨٢ / من كتاب له عليه السلام لشريح رقم ، وشرح النهج لابن ميثم ٣٤٢:٤ - ٣٤٣ / من كتاب له عليه السلام كتبه الشريح رقم ، ونهج البلاغة المحمد عبده ٢ ٤ - ٥ من كتاب له عليه السلام كتبه لشريح.
([2]) شرح الألفاظ الغريبة: ٦٧٥.
([3]) شرح ابن ميثم 4: 344-348/ شرح كلامه عليه السلام لشريح رقم 3.
([4]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 353-356.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2934 Seconds