من آثار قضاء الإمام علي عليه السلام في الفقه الجنائي على بناء الأساس الاجتماعي / رابعًا: أثر عقوبة التعزير

مقالات وبحوث

من آثار قضاء الإمام علي عليه السلام في الفقه الجنائي على بناء الأساس الاجتماعي / رابعًا: أثر عقوبة التعزير

961 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 02-11-2021

بقلم: م. م. وئام علي القره غولي

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ولا ينبغي الحمد إلا له، والصلاة والسلام على المحمود الصادق الأمين المنتجب المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين.

وبعد:
لاشَكّ أن فرض الأمن والطّمأنينة في الحياةِ الفَردية والاجتماعية مِن الأمور الأساسية التي سعى أميرُ المؤمنين (عليه السلام) إلى تحقيقِها في دولتهِ، وذلك عبرِ إقامةِ الحُدود على المُعتدين التي كانَ لها أثرٌ في اختفاءِ بوادر الانْحراف والفساد في المُجتمع، ولبيانِ تلك الآثار وإيضاحها سنتناول في هذا المَطلب أثر تطبيق حدّ الزّنا ومُلحقاته، وأثر تطبيق حد القذف، ومن ثمّ أثر تطبيق عُقوبة القَصاص والدّية، إضافة إلى أثر تطبيق عقوبات التّعزير.
رابعا: أثر تطبيق عقوبة التعزير
هُنالك العَديد مِن الجّرائم التي تُرتكب في المُجتمع لم تضع الشّريعة الإسلامية لأي منها عُقوبات معينة بل تركت أمرها للقاضي يختارُ العقوبة المُلائمة للجريمةِ بحسبِ حال المُجرم وسوابقه، وقد تبدأ بأخفّ العُقوبات المُتمثلةِ بالنّصح والإنذار وتنتهي بأشدّ العُقوبات كالحبسِ والجلد، بل قد تصل إلى القتلِ في الجرائمِ الخطيرة[1].
ومِن العُقوبات التعزيرية المهمة التي وردت في الشّريعة هي عقوبة الحبس، إلا أن موقف الشّريعة منها يختلف عما هو عليه في القوانينِ الوضعية إذ تعد مِن العُقوبات الأساسية التي يعاقب بها في كلّ الجرائم تقريبا سواء أكانت الجّرائم خطيرة أم بسيطة، أمّا في الشّريعة فهي مِن العُقوبات الثّانوية التي لا يعاقب فيها إلا على الجرائم البسيطة، ويترتب على هذا الفرق بين الشّريعة والقوانين أن يقلل إلى حد كبير عدد المحبوسين في البلاد التي تطبق قوانين الشّريعة الإسلامية، وأن يزيد عددهم في البلادِ التي تطبق القوانين الوضعية[2].
إضافة إلى أن جعلَ عقوبة السجن عقوبة لأغلب الجّرائم في القوانينِ الوضعية يجعلُ منها عقوبة غير رادعة، وعقوبة السجن إضافة إلى أنها غير رادعة فإنها تُؤدي إلى ازديادِ سلطان المُجرمين، لأن أغلب هؤلاء يستغلُ جرائمه لإخافة الناس والعيش عالة على الجماعة فيرهب الناس دون التفكير والخوف من العقوبة[3].  
وأمّا عُقوبة السّجن عند الإمام علي (عليه السلام) فقد عُدّت من العُقوبات التعزيرية المهمة، ذات الأثر الكبير في تأديبِ الجُناة وردعهم، لذا عمدَ (عليه السلام) إلى بناء سجن الكوفة بعد أن كان متعارفا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّ الحبس يتمُ في بيت أو مسجد ونحو ذلك[4]، إذ ذكرَ الثقفي في (الغارات) يسنده إلى البربري قال: ((رأيتُ عليا (عليه السلام) أسس محبس الكوفة إلى قريب من طاق الزياتين قدر شبر، قالَ: ورأيتُ المحبس وهو خص، وكانَ الناّس يفرجونه ويخرجونَ منه فبناه علي (عليه السلام) بالجّص والآجر))[5].

وإن بناء أمير المؤمنين(عليه السلام) لسجنِ الكوفة في بدايةِ عهده في الحُكم، يدلُّ على أنّه كانَ عازما على بناءِ دولة القانون، إذ أصبحَ مُؤسسة مِن مُؤسسات الدّولة في عهدهِ (عليه السلام)، وذلك لأنّ الأمن العام في النّظام الاجتماعي يحتاجُ إلى مؤسسةٍ مِن هذا القبيل، فالإمام (عليه السلام) يدركُ قيمة السّجن وما له مِن وظائف أهمها عزل الجُناة عن الاختلاط في المُجتمع، وضمان نيلهم العُقوبة المُقررة، إذا ثَبتت إدانتهم وهذا يَتماشى مع تقويته(عليه السلام) للنظامِ القضائي والإداري في المجتمع، فما هي فائدة القضاء إن لم يَكن هُناك نظام فعالٌ للعقوبات[6].
وقد حددَ الإمام علي (عليه السلام) من يجوز حبسه بقوله: ((يجبُ على الإمام أن يحبس الفُساق مِن العلماء، والجهال من الأطباء، والمفاليس من الاكرياء))[7].
ويستدلُّ مِن هذهِ الرّواية على أمورٍ عدة أهمها أن الإمامَ علي (عليه السلام) حبس الفاسق من العلماء لتأديبهِ، لأنّه ينشر الرّذيلة بعلمهِ الفاسد، وقد يستجيبُ له شريحة مِن الأفرادِ فعقوبة الحبس مِن أفضلِ العُقوبات له لمنع انتشار الرّذيلة، أمّا حبس الجُهال مِن الأطبّاء، وذلك لأن دورهم يكمنُ في معالجةِ النّاس ومداوتهم، فإذا كانَ جاهلا، فإنّه سيكون سببًا في قتلِ النّاس، لذلك نجدُ أن الطبيب في وقتِنا الحاضر يجاز مِن قبل جهة علمية حتى يرخص بعملهِ، فأفضل عقوبة للجاهلِ المدعي العلم هو الحبس، وأمّا المفاليس مِن الاكرياء هم الذين يَتظاهرون بالغِنى وهم ليسوا كذلك، فوجودهم في المُجتمع ضرر، لأنّه بإظهارهم الغنى يُعدّ نوعًا من التدليس على الناسِ مما يُؤدي إلى الإضرار الاقتصادية في المُجتمع[8].
وإضافة إلى ما ذكر هُناك أصناف أخرى قَضى الإمام علي (عليه السلام) عليهم بعقوبةِ الحَبس نحو ما رواه الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه: ((قضى أن يحجر على الغلامِ المفسد حتى يعقل، وقضى (عليه السلام) في الدّين أنّه يحبس صاحبه، فإذا تَبيّن إفلاسه والحاجة فيخلى سبيله حتى يستفيد مالا، وقضى (عليه السلام) في الرّجل الذي يلتوي على غرمائه أن يحبس...))[9].
ويظهرُ مما تقدّم ذكره أنّ الإمام علي (عليه السلام) لم يعاقب بالحبس في الجرائمِ الرّئيسة المُتمثلة بالحدودِ والقصاص، واقتصرت عقوبة الحبس في الإمساكِ على القتلِ، والمرأة المرتدة عن الدين الإسلامي، والسارق إذا سرق في المرة الثالثة، وأشارَ (عليه السلام) إلى ذلك بقوله: ((لا حبس في تهمة إلا في دم))[10].
وأيضا في حديث آخر له (عليه السلام) قال: ((ولا يخلد في السّجن إلا ثلاثة: الذي يمسك على الموتِ والمرأة المُرتدة عن الإسلام، والسارق بعد قَطع اليد والرجل))[11].
وبهذا تُعدّ عقوبة الحبس عند الإمام علي (عليه السلام) وسيلة لضمانِ حرمان المُتهم مِن فرصة التأثير على غيرهِ بالتّرغيب والتّرهيب، أي عزله اجتماعيا عن النّاس، إضافة إلى أنّ الحبس يشكلُ ضمانة أكيدة في عدمِ هروب المُتهم وإفلاته مِن يد العدالة، فالحبس يجعلُ المُتّهم في متناولِ التّحقيق إذ يمكنُ مواجهته واستجوابه في جريمتهِ التي ارتكبها[12].
وبالرّغم من كونِ عُقوبة الحبس لتأديبِ المُجرم وردعه، إلا أن الإمام (عليه السلام) قد أحاطَ هذا الإجراء بضوابطٍ مُعينة لا تسمح بأيّ انتهاك لحقوق المُذنب وحرياته داخل الحبس، بجعلِ ضمانات لكلّ مُتهم في أثناء التوقيف[13]، إذ ذكرت إحدى الرّوايات أنّ الإمام عليًّا (عليه السلام) كتبَ إلى رفاعة حول ابن هرمة المسجون ((... ولا تحل بينه وبين من يأتيه بمطعم أو مشرب أو ملبس أو مفرش، ولا تدع أحدًا يدخل عليه ممن يلقنه اللدد...))[14].
ويستخلصُ البحث مما تقدّمَ أنّ نظام العُقوبات عند الإمام علي (عليه السلام) كان نظاما فعالا، مما جعلَ له الأثر الكبير على بناءِ المُجتمع، وعلة ذلك ترجعُ إلى أنّ الإمام عليًا (عليه السلام) كان حازما في التنفيذِ، إذ طبقَ العُقوبات بالمُجرمين بما يناسبُ جرمهم من دونَ أن يقتصرَ على عقوبةِ معينة.[15].

الهوامش:
[1] ينظر: مدخل الفقه الجنائي الإسلامي: أحمد فتحي بهنسي، ص 184.
[2] ينظر: التشريع الجنائي الإسلامي: عبد القادرة عودة، 1/696.
[3] ينظر: أحكام السجون بين الشريعة والقانون: الوائلي، ص 95.
[4] ينظر: دراسات في ولاية الفقيه: المنتظري، 2/434.
[5] الغارات: أبو إسحاق بن إبراهيم بن محمد الثقفي، تحقيق عبد الزهراء الحسيني، مطبعة بهمن، قم، د ط، د ت،1/135.
[6] ينظر: الصديق الأكبر: الأعرجي، ص 891.
[7] من لايحضره الفقيه: الصدوق، 3/32.
[8] ينظر: الصديق الأكبر: الأعرجي، ص 892.
[9] وسائل الشيعة: الحر العاملي، 18/411.
[10] مستدرك الوسائل: الميرزا النوري، 17/403.
[11] جامع أحاديث الشيعة: البروجردي، 26/81.
[12] ينظر: التحقيق الجنائي في قضاء الإمام علي (عليه السلام): فاضل عباس الملا، النجف الاشرف، د ط، 1426هـ، ص 50.
[13] ينظر: المصدر نفسه، ص 51.
[14] جامع أحاديث الشيعة: البروجردي، 25/257- مستدرك الوسائل: الميرزا النوري،17/404.
([15]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الفقه الجنائي في قضاء الإمام علي عليه السلام وأثره في بناء الدولة الإسلامية، الدكتورة ناهدة الغالبي، الباحثة وئام القره غولي، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 249-253.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2305 Seconds