كواكب لا يحجبها التراب

مقالات وبحوث

كواكب لا يحجبها التراب

3K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 12-09-2019

الباحث: محمد حمزة عباس
الْحَمْدُ لِلَّهِ وإِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ - والْحَدَثِ الْجَلِيلِ - وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ - لَيْسَ مَعَهُ إِلَهٌ غَيْرُهُ - وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ صلّى الله عليه وآله، وبعد ..
من المهام التي كُلف بها الإمام زين العابدين (عليه السلام) من قبل الله (عز وجل) هي مواراة أجساد الشهداء في لحودها، فقد شاء الله أن يدخر هذا الإمام العظيم ليكون حجة الله في أرضه، وبما أن شهداء الطف هم خير الشهداء فمنهم سيد الشهداء أبو عبد الله ومنهم قمر العشيرة وعلي الأكبر وسائر بني هاشم والأنصار (عليهم الصلاة والسلام) فلا بد من وجود حجة زمانه ليواري جسد سيد الشهداء وباقي الشهداء لأننا نعلم أن الإمام لا بد وأن يدفنه إمام مثله.

وقد سمع الإمام زين العابدين (عليه السلام) حديثا قد روته السيدة زينب (عليها السلام) له ذلك حينما رأته يجود بنفسه وهو يمر على مصارع أهل بيته فقالت له:  (لا يجز عنك ما تري فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة، وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه ، فلا يزداد أثره إلا ظهورا، وأمره إلا علوا)[1].

وهذا ما نراه على مرّ العصور، فكل من وقف بوجه الإمام الحسين (عليه السلام) وحاول طمس آثاره وشعائره، مصيره إلى الخزي والعار في الدنيا والآخرة، والشواهد على ذلك كثير.

 وقد شارك بنو أسد الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دفن تلك الأجساد الطاهرة، فبنو أسد رغم اشتهارهم إلا أنهم غير معروفين عند بني أمية وإنما تعرفهم ملائكة السماء ويعرفهم الله بإخلاصهم لذا ادخرهم للإمام ليواسوه في دفن الأجساد الطاهرة.

ولعل الله أخفى هذه القبيلة وأسكنهم تلك الصحراء ليبعد عنهم انظار الجبابرة ليقوموا بهذه المهمة، وليكون مدفن الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) نقطة انطلاق الثورات الحسينية.

فسبحانه وتعالى خلق أناسا طيبين يعلم ما تكمن صدورهم من حب لآل البيت (عليهم السلام) لذا ادخرهم للمهمات ووفقهم لأن ينصبوا لسيد الشهداء علما يكون سببا للفوز.

جاء في اللهوف (ولما انفصل عمر بن سعد (لعنه الله) عن كربلاء خرج قوم من بني أسد فصلوا على تلك الجثث الطواهر المرملة بالدماء ودفنوها على ما هي الآن عليه)[2].

وقد شارك ينو أسد الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دفن الشهداء والآل إلا  أبي عبد الله والعباس بن علي (عليهما السلام) وهذا سر لا يعلمه إلا الله.

ففي رواية أنه عليه السلام قال لبني أسد: (انظروا هل بقى أحد، فقالوا نعم، يا أخا العرب بقى بطل مطروح على المسناة، وحوله جثتان وكلما حملنا جانباً منه سقط الآخر لكثرة ضرب السيوف والسهام، فقال: امضوا بنا إليه فمضينا، فلما رآه انكب عليه يقبله، وهو يقول: على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، وعليك مني سلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته ثم أمرنا أن نشق له ضريحاً ففعلنا، ثم أنزله وحده ولم يشرك معه أحد منا)[3].

يقول السيد المقرم: (أما الإمام فالأمر فيه واضح لأنه لا يلي أمره إلا إمام مثله ولكن الأمر الذي لا نكاد نصل الى حقيقته وكنهه، فعله بعمه الصديق الشهيد، مثل ما فعل بأبيه الوصي وليس ذلك إلا لأن ذلك الهيكل المطهر لا يمسه إلا ذوات طاهرة في ساعة هي أقرب حالاته الى المولى سبحانه ولا يدنو منه من ليس من أهل ذلك المحل الأرفع)[4].

 ساعد الله قلب الإمام كيف صبر على تلك الفاجعة وذلك المصاب الذي لو صب على جبل لدكه دكا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

كان الامام ينظر بعين البصيرة كذلك السيدة زينب وكأنهم يرون المستقبل وما أعد الله للحسين (عليه السلام) وتلك العصبة الطيبة من أجر عظيم لذا تحملوا تلك الواقعة فبصبرهم وإيمانهم تحقق النصر فها نحن اليوم نرى الملايين من الزائرين وهم يقصدون قبر الحسين وأخيه أبي الفضل (عليهما السلام) ويقيمون العزاء، فهذا هو العهد الذي عهده الله سبحانه لرسوله (صلى الله عليه وآله) وهو أن قبر الحسين (عليه السلام) سيبقى علما لأهل الحق وأهل البصائر ويكون سببا للمفاز وها نحن اليوم نرى حقيقة ذلك فقبر الحسين (عليه السلام) هو مرتكز الشيعة وموضع انطلاق الثوار والمجاهدين والأحرار الطيبين الذين يرفضون الظلم وينكرون الباطل.

وفي الختام نسأل الله أن لا يحرمنا من زيارة قبر الحسين وأخيه أبي الفضل (عليهما السلام) وأن يقضي حوائجنا بفضل تلك القبب الزاهرة التي جعلها الله سببا لقبول الدعاء وسببا لقضاء حوائج العباد، إنه سميع الدعاء.
الهوامش:
[1] - كامل الزيارات: هامش ص444.
[2] - اللهوف، السيد ابن طاووس: 85.
[3] - معالي السبطين، الفصل الحادي عشر، المجلس الخامس ص486.
[4] - قمر بني هاشم، ص73.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2734 Seconds