دور صحابة أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) في معركة صفِّين يزيد بن قيس الأرحبي الهمداني أنموذجًا

مقالات وبحوث

دور صحابة أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) في معركة صفِّين يزيد بن قيس الأرحبي الهمداني أنموذجًا

2K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 06-06-2020

هُشام مكيّ خضَيّر الطَّائِيّ
الحمد الذي واهب الأنعام، والصَّلَاة والسَّلَام على مُحَمَّد وآله خير الأنام، واللعن الدَّائم على أعدائِهم الظُّلَّام...
أمَّا بعد:
فإنَّ هناك العديد من الصَّحابة والتَّابعين الذين ساروا على النَّهج الصَّحيح وسلكوا الطَّريق القويم الذي فيه نجاة الأُمَّة -وهو طريق النَّبيّ مُحَمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) الذين هم سفينة نجاة الأُمَّة في الدُّنيا والآخرة-، وكان لهم الدور البارز في الوقوف في صف الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) في المشاهد الحربيَّة وغيرها، لاسيما في (معركة صفِّين)، فمن هؤلاء الصَّحابة الأجلَّاء الذين شاركوا في هذه المعركة إلى جانب الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، هو الصَّحابي: (يزيد بن قيس الأرحبي (رضوان الله تعالى عليه)).
اسمه ونسبه (رضوان الله تعالى عليه):
يزيد بن قيس بن تمام بن مبعوث بن كعب الأرحبي الهمداني من بني بن دومان من همدان، وهو من الرؤساء الكبار في اليمانيين، وكان من الذين أدركوا النبي محمد (صلَّى الله تعالى عليه وآله)[1]، وأخذ الكوفة مسكنًا له.
صفاته (رضوان الله تعالى عليه):
كان الصَّحابي يزيد بن قيس الأرحبي الهمداني رجلًا مؤمنَا صالحًا ذو عقيدة قويَّة وسيرة حميدة، ومن الصحابة الملتزمين بأوامر أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) والموالين له والمعتقدين بإمامته وأحقيته بالخلافة من غيره ومن الطَّائعين له (عليه السَّلَام)، وكان من الثقاة الذين يعتمد عليهم أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) وكان بطلًا شجاعًا، ومن الخطباء الفصحاء، وله كلام بليغ في يوم صفين، وكان لا يخشى الموت من أجل الدفاع عن مولاه أمير المؤمنين (عليه السَّلَام)[2].
مواقفه ومشاهده مع الإمام عَلِيّ (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام):
مواقفه الجهادية ومشاهده مع أمير المؤمنين (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) كثيرة، وكان قد سبق وأن سجل له في التأريخ بطولات ومواقف جهادية وهي: أنّه لما سار سعيد بن العاص حين كان أمير الكوفة...، فثار عليه أهل الكوفة...، فاجتمع قراء الكوفة فأمروا عليهم يزيد بن قيس الأرحبي[3].
كان (رضوان الله تعالى عليه) مع أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) ولم يتخلَّف عنه فولاه الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) شرطته – شرطة الخميس-[4]، وشهِد مع الإمام (عليه السَّلَام) حروبه: فشهِد معركة الجمل، ومعركة صفين، فكانت له فيها أدوار بارزة، منها: أنَّه أحد الذين بعثهم الإمام (عليه السَّلَام) إلى معاوية في تلك المعركة، وكان مع الإمام (عليه السَّلَام) في معركة النَّهروان[5]، ولَّاه الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) بعد عودته من البصرة إلى الكوفة بعد فتنة الجمل على المدائن وجوخا كلها[6]، وبعد النَّهروان كان عامل الإمام (عليه السَّلَام) على أصفهان وهَمَدان[7].
دور يزيد بن قيس في معركة صفين:
له يوم صفين مواقف وخطابات تعرب عن نفسياته الكريمة وملكاته الفاضلة، تذكر وتشكر، ذكر جملة منها ابن مزاحم في كتاب صفين[8]، فمما ذكر من مواقف له: (يروى: أنَّ يزيد بن قيس الأرحبي دخل على أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (صلوات الله تعالى وسلامه عليه) فقال: يا أمير المؤمنين، نحن على جهاز وعدة، وأكثر الناس أهل قوة ومن ليس بمضعف وليس به علة، فمر مناديك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة، فإن أخا الحرب ليس بالسؤوم ولا النؤوم، ولا من إذا أمكنه الفرص أجلها واستشار فيها، ولا من يؤخر الحرب في اليوم إلى غد وبعد غد)[9].
أ- كان يشحذ همم أهل العراق ويحرضهم على قتال القاسطين ومواجهتهم، فكان يقول: (إن المسلم السليم من سلم دينه ورأيه، إن هؤلاء القوم والله ما إن يقاتلونا على إقامة دين رأونا ضيعناه، ولا إحياء عدل رأونا أمتناه، ولا يقاتلونا إلا على إقامة الدنيا، ليكونوا جبابرة فيها ملوكا، فلو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا - إذا ألزموكم مثل سعيد والوليد وعبد الله بن عامر السفيه، يحدث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت، ويأخذ مال الله ويقول: هذا لي ولا إثم علي فيه، كأنما أعطى تراثه من أبيه، وإنما هو مال الله أفاءه الله علينا بأسيافنا ورماحنا.
 قاتلوا عباد الله القوم الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا تأخذكم في جهادهم لومة لائم، إنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا دينكم ودنياكم، وهم من قد عرفتم وجربتم، والله ما أرادوا إلى هذا إلا شرًا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم)[10].
ب-رسول الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) إلى معاوية: فمن الأدوار البارزة الأخرى للصحابي يزيد بن قيس الارحبي في معركة صفين، إنَّ الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) أرسله للتفاوض مع معاوية (لعنه الله تعالى)، وهو لما توادع أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) ومعاوية بصفين اختلفت الرّسل فيما بينهما رجاء الصَّلح، فأرسل الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (صلوات الله تعالى وسلامه عليه) إلى معاوية عدي بن حاتم الطائي، وشبث بن ربعي، ويزيد بن قيس، وزياد بن خصفة، فدخلوا على معاوية، وبعد أن تكلم عدي بن حاتم ومن صحبه، فوصل دور يزيد بن قيس الأرحبي في الكلام، فتكلم وقال لمعاوية: (إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك، ولنؤدي عنك ما سمعنا منك، لن ندع أن ننصح لك، وأن نذكر ما ظننا أن لنا به عليك حجة، أو أنه راجع بك إلى الألفة والجماعة، إن صاحبنا لمن قد عرفت وعرف المسلمون فضله، ولا أظنه يخفى عليك: أن أهل الدين والفضل لن يعدلوك بِعَلِيّ (عليه السَّلَام)، ولن يميلوا بينك وبينه، فاتق الله يا معاوية، ولا تخالف عَلِيًّا (عليه السَّلَام)، فإنا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه)[11].
 فهذه بعض من أبرز الأدوار والمواقف التي ذُكرت عن هذا الصحابي الفذ، وغيرها كثير، لكن هذا ما يسعنا أن نذكره ونعرضه للقارئ الكريم.
وفي الختام: نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا بالأمن والأمان والخير والبركات، بحقّ نبيّه الأكرم مُحَمَّد (صلَّى الله تعالى عليه وآله) وآل بيته الغرّ الميامين الأطهار (صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين) واللعن الدَّائِم على أعدائِهم إلى قيام يوم الدِّين، إنَّه سميعٌ عليم...
الهوامش:
[1] ينظر: جمهرة أنساب العرب، ابن حزم: 396، والأعلام، خير الدين الزركلي: 8/186.
[2] ينظر: الأعلام، خير الدين الزركلي: 8/186.
[3] ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر: 6/551.
[4] ينظر: المصدر نفسه: 6/551.
[5] ينظر: موسوعة الإمام عَلِيّ (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) في الكتاب والتاريخ والسُّنَّة، محمد الريشهري: 12/329.
[6] ينظر: وقعة صفين، ابن مزاحم المنقري: 11.
[7] موسوعة الإمام عَلِيّ (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام): 12/330.
[8] ينظر: الغدير، الشيخ الأميني: 9/45.
[9] وقعة صفين: 101.
[10] المصدر نفسه: 248.
[11] المصدر نفسه: 197-198.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1954 Seconds