من الفكر الإداري عند الإمام علي (عليه السلام): صفات الوالي

مقالات وبحوث

من الفكر الإداري عند الإمام علي (عليه السلام): صفات الوالي

2K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 15-03-2021

بقلم: م. م. هدى ياسر سعدون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
ومن الصفات التي يجب أن يتحلى بها الوالي:
أولًا: ألا يغضب وأن يصبر:
«سَعِ النَّاسَ بِوَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَحُكْمِكَ، وإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اللهِ يُبَاعِدُكَ مِنْ النَّارِ، وَمَا بَاعَدَكَ مِنَ اللهِ يُقَرِّبُكَ مِنَ النَّارِ»[1].

ثانيًا: ألا يبدل سُنّة قد عملت بها الأمة:

«لاَ تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيء مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الاَْجْرُ بِمَنْ سَنَّهَا، وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا»[2].
ثالثًا: عليه ألا ينقض السنن السابقة:
«وَلاَ تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هذِهِ الاُْمَّةِ، وَاجْتَمَعتْ بِهَا الاُْلْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ»[3].
وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله تعالى من ذلك، إلا بالاهتمام والاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيها خف عليه أو ثقل[4].
رابعًا: على الوالي ان لا يطيل الاحتجاب[5] عن الرعية، حيث أوصى لمن يتولى هذا المنصب قائلًا:
«وَأَمَّا بَعْدَ هذا، فَلاَ تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاَةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ، وَقِلَّةُ عِلْم بِالاُْمُورِ، وَالاِْحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دوُنَهُ فَيَصْغُرُ عِندَهُمْ الْكَبِيرُ، وَيَعْظَمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لاَ يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الاُْمُورِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ»[6].
يلاحظ ان الإمام عليه السلام قد رسم اهم ما يجب ان يتصف به الوالي من خلال كلامه، حيث جاء تحذيره بما يأتي:
أن لا يجعل وقوف الرعية لمدة طويلة عندما يحتاجون إليه، فيما بين الإمام عليه السلام مساوئ طول هذه المدة ومالها من الضرر على الوالي.
الاحتجاب يكثر همهم وتضيق بهم السبل.
قلة علم الوالي بما يحدث حوله من الأمور.
واحتجابك عنهم يصور لهم القبيح بالحسن والحسن بالقبيح وغير ذلك.
وإنك بشر ولا تعرف ما يخفي عنك حاجبك وليس لك دليل على صدقه وكذبه معك:

«وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنَِ: إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ، أَوْ فِعْل كَرِيم تُسْدِيهِ، أَوْ مُبْتَلَىً بِالْمَنعِ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيِسُوا مِنْ بَذْلِكَ! مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ [مـ] ما لاَ مَؤُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ، مِنْ شَكَاةِ مَظْلِمَة، أَوْ طَلَبِ إِنْصاف فِي مُعَامَلَة»[7].
ثم يسأل الإمام عليه السلام بقوله: إذا كنت على الحق فلماذا تحتجب من حق واجب عليك أن تعطيه؟ وهل أنت مبتلٍ بالمنع حتى لمنع الناس؟. «فإن أكثر الناس يحجبون كيلا يطلب منهم الرفد! وأنت إن كنت جوادًا سمحًا لم يكن لك الى الحجاب داع وإن كنت ممسكًا فسيعلم الناس ذلك منك، فلا يسألك أحد شيئًا. ثم قال: على أن أكثر ما يسأل منك ما لا مؤونة عليه في ماله، كرد ظلامة أو إنصاف من خصم»[8].
وقد أخذ هذا معنى الحجابة للوالي، قول الشاعر محمود الورّاق[9]:

وردّ ذوي الحاجات دون حجابهِ      إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه

رجمتُ بظنّ واقع بصوابهِ            ظننت به إحدى ثلاث وربّما

ففي إذنه للناس إظهار ما بهِ          أقول به مسّ من العيّ ظاهر

من البُخْل يحمي ما له عن طلابهِ     فإن لم يكن عيّ اللسان فغالب

بُكتمها مستورةٌ بثيابهِ                   وإن لم يكن لاذا ولاذا قريبةٌ
خامسًا: على الوالي ان يتفقد أعمال الجند[10] ولا يقعد عنهم:
«وَتُقعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ[11]»[12].
سادسًا: على الوالي أن يتواضع للرعية، وكما عهد الإمام عليه السلام الى محمد بن أبي بكر – حين ولاه مصر:
«وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ، وَابْسِطْ لَهُمْ وَجْهَكَ وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَالاْشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ، وَلاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ»[13].([14]).

الهوامش:
[1] المصدر نفسه، رسالة (76)، 18/59.
[2] ابن أبي الحديد، رسالة (53)، 17/36.
[3] المصدر نفسه، رسالة (53)، 17/36.
[4] المصدر نفسه، رسالة (53)، 17/37.
[5] الحجابة: الحجاب: المنع من الوصول، يُقال حجبه حجابًا، الاصفهاني، المفردات، مادة (حجب)، ص115، وحجبه من باب قتل منعه ومنه قيل للستر حجاب، لأنه يمنع المشاهدة، وقيل للبواب: حاجب: لأنه يَمنع من الدخول والاصل في الحجاب، جسم حائل بين جسدين، يُنظر: الفيومي، المصباح المنير، مادة (حجب)، ص80، وقد اشار أحدهم الى ان الحُجّاب: هم الذين يتولون ايصال الحاضرين إلى باب الملك وعرض حاجاتهم، يُنظر: مجهول، قانون السياسة ودستور الرياسة، ص123.
[6] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، رسالة (53)، 17/65.
[7] ابن أبي الحديد، رسالة (53)، 17/65-66.
[8] المصدر نفسه، 17/67.
[9] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 17/66.
[10] إنَّ الإمام عليه السلام قد ذكر هذه المؤسسة الادارية في معرض كلامه عن الولاة من دون ان يسميها باسمها الحديث (الشرطة).
[11] الشرط: بالتحريك العلامة، والشرط: رذال المال، وأشرط فلان نفسه لأمر كذا أي أعلمها له وأعدها ومنه سمي الشرط؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، والواحد شرطة وشرطي، الجوهري، تاج اللغة، مادة (شرط)، 3/113؛ الزبيدي، تاج العروس، مادة (شرط)، 10/307. وهي الجند التي يعتمد عليها الخليفة أو الوالي في استتباب الأمن، وحفظ النظام والقبض على الجناة والمفسدين وما الى ذلك من الأعمال الإدارية... وفي عهد علي بن أبي طالب عليه السلام نضمت الشرطة، وأطلق على رئيسها (صاحب الشرطة)، ويتولى صاحب الشرطة أيضًا إقامة الحدود على الزنا وشرب الخمور وغيرها من الأمور الشرعية... كما أنيطت بصاحب الشرطة إدارة السجون، يُنظر: حسن إبراهيم، النظم الاسلامية، ص260؛ اليوزبكي، توفيق سلطان، دراسات في النظم العربية الاسلامية، ط3، (الموصل–1988)، ص17.
[12] ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، (53)، 17/64.
[13] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، كتاب (27)، 15/122.
([14]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الفكر الإداري عند الامام علي عليه السلام في نهج البلاغة، هدى ياسر سعدون، طبعة مؤسسة علوم نهج البلاغة، العتبة الحسينية المقدسة: ص216-220.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1634 Seconds