من مقاصدية وصية الإمام علي (عليه السلام) في أمواله اختلاف القصدية في تكرار لفظ (وجه الله) في الوصية

مقالات وبحوث

من مقاصدية وصية الإمام علي (عليه السلام) في أمواله اختلاف القصدية في تكرار لفظ (وجه الله) في الوصية

198 مشاهدة

ثانياً: أثر الرياء في النية وإحباط العمل

بقلم السيد نبيل الحسني الكربلائي

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدّم من عموم نِعَمٍ ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها والصلاة والسلام على حبيبه المنتجب ورسوله المصطفى أبي القاسم محمد وعلى آله أساس الدين وعماد اليقين.
وبعد:
اشتملت وصية أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في أمواله على جملة من العنوانات الشرعية والعقدية، فضلاً عن اكتنازها للعديد من المصاديق والمفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية وغيرها، وهو ما ستعرض له عبر جملة من المقالات، وهي على النحو الآتي:
اختلاف القصدية في تكرار لفظ (وجه الله) في الوصية
اختلفت القصدية في إيراده (عليه السلام) للفظ (وجه الله) في الوصية؛ فاللفظ الذي جاء به (عليه السلام) في أول الوصية قائلاً:
«هذا ما أمر به عبد الله علي بن أبي طالب امير المؤمنين في ماله إبتغاء وجه الله، ليولجني به الجنة...»[1] عن القصدية في قوله (عليه السلام):
«وأني أنما جعلت القيام بذلك الى أبنيّ فاطمة، ابتغاء وجه الله»[2]
فالقصدية في اللفظ الثاني كانت لبيان أن (وجه الله تعالى) هم أنبياء الله ورسله وحججه (عليهم السلام)؛ كما مرَّ بيانه.
أما القصدية في اللفظ الأول فهي تعني:
الإخلاص في النية والعمل، وتجنب محبطاته كالرياء والسمعة.

ثانياً: أثر الرياء في النية وإحباط العمل .

يعلمنا سيدنا ومولانا امير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن نجاح الأعمال وصعودها الى الله تعالى مقبولة مرضية عنده جل شأنه أنما يكون خالصاً لوجه الله تعالى، ولا يكون الإخلاص إلاّ بالنجاة من الرياء والسمعة.
وهو أمر أهتم به الفقهاء والعلماء وصنفوا فيه كتباً وتحدثوا عنه ضمناً ونبهوا عليه.
وذلك لما يشكله من خطورة بالغة على الاعمال والقلوب والعواقب؛ ومما صنف في ذلك القول الشهيد الأول أيضاً، فقد خصص فائدة من فوائد قاعدة (تبعية العمل للنية) والشيخ محمد مهدي النراقي (رحمه لله) والشيخ الفيض الكاشاني (رحمه الله) وغيرهم من علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم الفقهية والعقدية كأبن عربي في الفتوحات المكية وغيره.
وعليه:
وجدنا أن الرجوع الى بعض الروايات الشريفة لاسيما ما رواه ابن بابويه في فقه الرضا (عليه السلام)؛ والى الشهيد الاول (رحمه الله) في بيان اثر الرياء في النية كان هو الأنسب لبيان مقتضيات القصدية لإيراده (عليه السلام) هذا اللفظ (ابتغاء وجه الله) في اول الوصية واختلاف هذه القصدية عن تكرار اللفظ في توليته (عليه السلام) لابني فاطمة (عليهم السلام) على هذه الاموال والتصرف المشروط بها.
1- قال الشهيد الاول (رحمه الله):
(يجب التحرز من الرياء في الاعمال فإنه يلحقها بالمعاصي؛ وهو قسمان: جلي، وخفي، فالجلي ظاهر، والخفي إنما يطلع عليه أولوا المكاشفة والمعاملة لله، كما يروى عن بعضهم: أنه طلب الغزو وتاقت نفسه إليه، فتفقدها فإذا هو يحب المدح بقولهم: فلان غاز، فتركه، فتاقت نفسه إليه، فأقبل يعرض نفسه على ذلك الرياء حتى أزاله، ولم يزل يتفقدها شيئا بعد شيء حتى وجد الاخلاص مع بقاء الانبعاث، فاتهم نفسه وتفقد أحوالها فإذا هو يحب أن يقال: فلان مات شهيدا، لتحسن سمعته في الناس بعد موته.
وقد يكون ابتداء النية إخلاصا وفي الأثناء يحصل الرياء، فيجب، التحرز منه فإنه مفسد للعمل؛ نعم لا يكلف بضبط هواجس النفس وخواطرها بعد ايقاع النية في الابتداء خالصة، فان ذلك معفو عنه، كما جاء في الحديث[3].[4].
2- قال ابن بابويه القومي (عليه الرحمة والرضوان) (ت 329هـ) فيما رواه عن الامام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) في بيان آثار الرياء والسمعة والعجب ما يلي:
(نروي[5] عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، انه قال:
«قال الله تبارك وتعالى: انا اعلم بما يصلح عليه دين عبادي المؤمنين، ان يجتهد في عبادتي فيقوم من نومه ولذة وسادته، فيجتهد لي، فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين، نظرا مني له وإبقاء عليه، فينام حتى يصبح، فيقوم وهو ماقت نفسه، ولو خليت بينه وبين ما يريد من عبادتي، لدخله من ذلك العجب، فيصيره العجب إلى الفتنة، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه، ألا فلا يتكل العاملون على أعمالهم، فإنهم لو اجتهدوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي، كانوا مقصرين غير بالغين كنه عبادتي، فيما يطلبونه عندي، ولكن برحمتي فليثقوا، وبفضلي فليفرحوا، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا، فإن رحمتي عند ذلك تدركهم، فإني أنا الله الرحمن الرحيم، وبذلك تسميت»[6].
ونروي في قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[7] قال: ليس من رجل يعمل شيئا من الثواب، لا يطلب به وجه الله، إنما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن تسمع به الناس، إلا أشرك بعبادة ربه[8] في ذلك العمل، فيبطله الرياء، وقد سماه الله تعالى الشرك.
ونروي: من عمل لله كان ثوابه على الله، ومن عمل للناس كان ثوابه على الناس، إن كل رياء شرك[9].
ونروي: ما من عبد أسر خيرا، فيذهب الأيام حتى يظهر الله له خيرا، وما من عبد أسر شرا، فيذهب الأيام حتى يظهر الله له شراً [10].
ونروي: أن عالما أتى عابدا فقال له: كيف صلاتك؟ قال: تسألني عن صلاتي وأنا أ عبد الله منذ كذا وكذا! فقال له: كيف بكاؤك؟ قال: إني لأبكي حتى تجري دموعي، فقال له العالم (عليه السلام): فإن ضحكك وأنت عارف بالله، أفضل من بكائك وأنت تدل على الله إن المدل[11] لا يصعد من عمله شيء[12].
ونروي: من شك في الله بعد ما ولد على الفطرة لم يتب أبدا[13].
وأروي: أن أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) قال في كلام له: «إن من البلاء الفاقة، وأشد من الفاقة مرض البدن، وأشد من مرض البدن مرض القلب»[14].
أروي: لا ينفع مع الشك والجحود عمل[15].

وأروي: من شك أو ظن، فأقام على أحدهما، أحبط عمله[16].
وأروي في قول الله عز وجل: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين)[17] قال: نزلت في الشكاك[18].
وأروي في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾[19] قال: الشك[20]، والشاك في الآخرة مثل الشاك في الأولى، نسأل الله الثبات وحسن اليقين.
وأروي أنه سئل عنه رجل يقول بالحق، ويسرف على نفسه بشرب الخمر، ويأتي الكبائر، وعن رجل دونه في اليقين، وهو لا يأتي ما يأتيه؛ فقال (صلى الله عليه وآله): أحسنهما يقينا كنائم على المحجة إذا انتبه ركبها، والأدون الذي يدخله الشك كالنائم على غير طريق، لا يدري إذا انتبه أيما المحجة)[21].([22]).

الهوامش:
[1]       نهج البلاغة: رسائله وكتبه برقم 24.
[2]       المصدر السابق.
[3]       انظر: الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 1/ 80 باب24 من أبواب مقدمة العبادات، حديث: 3، وصحيح مسلم: 1/ 116 وما بعدها باب 58، 59 من كتاب الايمان، حديث: 201-207.
[4]       القواعد والفوائد: ج1 ص120.
[5]       اي: ان الامام الرضا (عليه السلام) يروي عن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله).
[6]       الكافي2: 50/ 4، التمحيص: 57/ 115، عدة الداعي: 222 باختلاف يسير.
[7]       سورة الكهف، الآية (110).
[8]       الكافي2: 222/ 4، تفسير العياشي2: 352/ 93، الزهد: 67/ 177 باختلاف يسير.
[9]       الزهد: 67/ 177 وورد بتقديم وتأخير في الكافي2: 222/ 3.
[10]      الكافي2: 224/ 12، الزهد: 67/ 17 7 باختلاف يسير.
[11]      المدل: المنان. انظر «الصحاح - دلل - 4: 1699».

[12]      الكافي2: 236/ 5، الزهد: 63/ 168، قصص الأنبياء: 179، باختلاف يسير.
[13]      الكافي2: 294/ 6 باختلاف يسير.
[14]      نهج البلاغة3: 247/ 388.
[15]      الكافي2: 294/ 7.
[16]      الكافي2: 294/ 8.
[17]      سورة الأعراف، الآية (102).
[18]      الكافي2: 293/ 1، تفسير العياشي2: 23/ 60.
[19]      سورة الأنعام، الآية (82).
[20]      الكافي2: 293/ 4، تفسير العياشي1: 366/ 48.
[21]      فقه الرضا (عليه السلام): ص389.
([22]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فاطمة في نهج البلاغة، للسيد نبيل الحسني: ط: العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة. ص 260-268.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1271 Seconds