من الأمثال العربية في نهج البلاغة  قوله (عليه السلام) ((إن غداً من اليوم قريب))

مقالات وبحوث

من الأمثال العربية في نهج البلاغة قوله (عليه السلام) ((إن غداً من اليوم قريب))

140 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 24-11-2021

بقلم: الدكتور حسن طاهر ملحم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من تبوأ من الفصاحة ذروتها وأصبح بذلك أفصح العرب أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين لا سيما الإمام علي عليه السلام أمير البيان..

وبعد:

قال الإمام علي عليه السلام: (إن غداً من اليوم قريب)[1]

من خطبة له للحث على التقوى (اعلموا عباد الله: أن عليكم رصداً من أنفسكم،  وعيون من جواركم وحفاظ صدق يحفظون أعمالكم،  وعدو أنفسكم،  لا تستركم منهم ظلمة ليل داج ولا يكنكم منهم باب ذو رتاج،  وأن غداً من اليوم قريب)[2].

قال ابن أبي الحديد: قوله (عليه السلام) (أن غداً من اليوم قريب،  كلام يجري مجرى المثل والأصل فيه قوله تعالى ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾[3].

قال الميداني: أول من قال: (ان غداً لناظره قريب)[4] قراد بن أجدع في حادثة له مع النعمان بن المنذر ملك الحيرة نوجز بعضاً منها:

خرج النعمان بن المنذر يتصيد على فرس له اسمه (اليحموم)،  فأجراه على اثر غيره،  فذهب الفرس في الأرض ولم يقدر عليه،  وانفرد عن أصحابه وأخذته السماء فطلب ملجأ يلجأ إليه،  فدفع إلى بناء فإذا فيه رجل من طيء يقال له حنظلة ومعه امرأة له،  فقال لهما: هل من مأوى؟ فقال حنظلة: نعم،  فخرج إليه فأنزله ولم يكن للطائي غير شاة وهو لا يعرف النعمان فقال لامرأته: أرى رجلاً ذا هيئة وما أخلقه أن يكون شريفاً خطيراً في الحيلة؟ فقررا ذبح الشاة فأطعمه من لحمها وسقاه من لبنها ولما أصبح الصباح أخبر النعمان بخبره للطائي،  ومكث الطائي بعد ذلك زمناً بعد رحيل النعمان وأصابه نكبة وجهد وساءت حاله وذهب إلى الحيرة ولكنه وافق يوم بؤس النعمان فعرفه النعمان وساءه مكانه وقال له أهلاً جئت في غير هذا اليوم؟ قال أبيت اللعن،  وما كان علمي بهذا اليوم؟ قال والله لو سنح لي في هذا اليوم قابوس ابني لم أجد بداً من قتله،  اطلب حاجتك من الدنيا وسل ما بدا لك فإنك مقتول فقال الطائي: وما أصنع بالدنيا بعد نفسي؟ قال النعمان: إنه لا سبيل إليها واتفقا على كفيل بعد أن يخبر الطائي أهله وكان شريك بن عمرو بن قيس من بني شيبان وكان يكنى أبا الحومر وكان صاحب الردافة فأبى شريك أن يتكفل به،  فوثب إليه رجل من كعب يقال له قراد بن أجدع فقال للنعمان: أبيت اللعن هو عليّ،  قال النعمان،  أفعلت؟ قال نعم،  فضمنه إياه ثم أمر الطائي بخمسمائة ناقة.

فمضى الطائي إلى أهله وجعل الأجل حولاً من يومه ذلك إلى مثل ذلك اليوم من قابل،  فلما حال عليه الحول وبقى من الأجل يوم قال قراد للنعمان:

فإن يكُ صدرُهذا اليوم ولّى                 فإن غـــداً لناظره قريبُ

فلما أصبح النعمان ركب في خيله وأخذ معه قراداً وأمر بقتله فقال له وزراءه أليس لك أن تقتله حتى يستوفي يومه فتركه،  وكان النعمان يشتهي أن يقتل قراداً ليفلت الطائي من القتل،  فلما كانت الشمس تجيب وقراد قائم مجرد في أوزار على النطع والسياف إلى جنبه أقبلت امرأته تقول فيه شعراً، فبينا هم كذلك إذ رفع لهم شخص من بعيد وقد أمر النعمان بقتل قراد،  فقيل له ليس لك أن تقتله،  حتى يأتيك الشخص فتعلم من هو،  فكف عنه،  فإذا هو الرجل الطائي،  فلما نظر إليه النعمان شق عليه مجيئه،  فقال له: ما حملك على الرجوع بعد افلاتك من القتل؟ قال: الوفاء،  قال: وما دعاك إلى الوفاء؟ قال: ديني،  قال  النعمان: وما دينك؟ قال: النصرانية.

ومنها تنصر النعمان وأهل الحيرة أجمعون وأبطل تلك السنة.[5]

والمثل يضرب للنظر في العواقب،  والمثل بمثال المثل المذكور قولهم (كل ما هو آت قريب)[6]

والمثل لمن حرم مراده اليوم فوُعِده في غده[7]

و قول الإمام يضرب للترغيب والنظر في العواقب ومنه (.... فتسابقوا رحمكم الله إلى منازلكم.....).، والترهيب عما فيه ذكر الموت وما ينبه الذاكر المتفكر ومنه قوله لزياد بن أبيه (فدع الإسراف مقتصداً واذكر في اليوم غداً)[8] .

وهكذا استفاد الإمام (عليه السلام) من واقع المثل في الحادثة المذكورة إلى الواقع الجديد لها في تذكير أصحابه وعظتهم لأن غداً لناظره قريب.[9].

 

[1]- نهج البلاغة، خطبة (155)

[2]- المصدر نفسه، خطبة (155)

[3]- هود: آية 81

[4]- الميداني: مجمع الأمثال: 1/121 - 124

[5]- الميداني: مجمع الأمثال 1/121 بتصرف.

[6]- الثعالبي: التمثيل والمحاضرة ص105 والقول لمنصور المصري.

[7]- ابوهلال العسكري: جمهرة الأمثال 2/285

[8]- نهج البلاغة: كتاب رقم  (259)

[9]لمزيد من الاطلاع ينظر: الأمثال العربية ومدلولاتها التاريخية في كتاب نهج البلاغة، للدكتور حسن طاهر ملحم، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 118 –121.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1752 Seconds