من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: 8- الرِّبا

مقالات وبحوث

من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: 8- الرِّبا

270 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 29-06-2022

بقلم: الدكتور سحر ناجي المشهدي

الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..

وبعد:
الفعل (رَبَا): فأصله (رَبَو) لِتَحرك الواو وانفتاح ما قبلها قلبت ألفا، والمضارع منه (يرْبُوُ) قلبت الضمة إلى سكون لاستثقالها على الواو الواقعة طرفا.  ففيها إعلال بالتسكين

رـَـ / بـ ـَـ / وـُـ     قلبت الواو الفا رـَـ / بـ ـَـَـ إعلال بالقلب

يـ ـَـ ر / بـ ـُـ / وقلب الضمة الى سكون تـ ـَـ ر / بـ ـُـ وإعلال بالقلب

استعمل الإمام (عليه السلام)  هذا اللفظ دلالة على الزِّيادة والنَّماء،  فتكرر اربع مرات[1].

ليدلَّ على: 
1) الرِبا الحقيقي:  الزيادة والنَماء كزيادة الصدقة ونمائها،  جاءت صيغة الفعل المضارع منه على زنة (يُفعِل) ليدل على الاستمرارية في إيقاع الحدث ولتكون عادة يتخلق بها الناس في قوله:  (عليه السلام): « إِذَا حُيِّيْتَ بِتَحِيَّة فَحَيِّ بِأَحْسَنَ مِنْهَا، وإِذَا أُسْدِيَتْ إِلَيْكَ يَدٌ فَكَافِئْهَا بِمَا يُرْبِي عَلَيْهَا،  وَالْفَضْلُ مَعَ ذلِكَ لِلْبَادِىءِ» [2]،  ويُربِي:  يزيد .

2) الرِبا المجازي:  ويدلُّ على (البيع المُحّرَّم)  قال (عليه السلام)  في بيان حال أهل القبور في القيامة» يَا عَلِيُّ،  إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهمْ،  وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِم عَلَى رَبِّهِمْ،  وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ،  وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ،  وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ،  وَالاْهْوَاءِ السَّاهِيَةِ،  فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ،  وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ»[3]،  واستُعمِل في هذا النص أسلوب المساواة في الاستبدال فـ(النبيذ عِوَضَا عن الخمر)،  (الهَدِّية عِوْضَا عن السُّحت)  و(البَيع عِوَضَا عن الرِّبا)  وهذا ما أشار اليه الرسول (صلَّى الله عليه وآله)  قائلا: « إنّ الله كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين،  فسأله الإمام (عليه السلام):  وما هذه الفتنة ؟ قال:  فتنة قوم يشهدون أن لا اله إلاّ الله وأني رسول الله وهم مخالفون للسنة،  فسأل الإمام (عليه السلام)  عن سبب مقاتلتهم وهم يشهدون،  فقال:  على الأحداث في الدين ومخالفة الأمر، فأما فتنتهم بتأويل القرآن واستحلال الخمر بالنبيذ والسّحت بالهدية،  والرّبا بالبيع،  وتحريف الكتاب،  فالسّحت:  الحرام،  وكلّ ما لا يحل كسبه،  قد اسحت الرجل في تجارته:  اكتسب السّحت»[4].

   وقال (عليه السلام): « مَنِ اتّـّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه فقد ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا»[5]،  إذ استعار لفظ ارتطم لغير الفقيه،  لأخذه الرِّبح الفاحش فلا يتمكن من الخلاص من الرِّبا ؛ لكثرة اشتباه مسائل الرّبا بمسائل البيع ولا يفرق بينهما إلاّ الفقهاء مع وقوع الخلاف بينهم فيها.  فهنالك متطلبات اقتصادية في الرِّبح والخسارة ؛ فالتّاجر الصادق عليه واجبات يسمو بها الى درجة التكريم،  ورَبَا الجُرحُ والأرض والمال وكلّ شيءٍ يَربُو رَبْوَا،  إذا زاد،  والرَّابِيَة:  ما أرْتَفَعَ من الأرضِ،  ورَبَا المالُ يَربُو في الرِّبا،  أي:  يزداد،  وصاحبه:  مُرْبٍ[6].

   فـ «الراء والباء والحرف المعتل وكذلك المهموز منه يدل على أصل واحد، وهو الزيادة والنماء والعِلو، تقول من ذلك: رَبَا الشّيء يربو، إذا زاد.  وربا الرابية يربوها،  إذا علاها»[7].
  وهو مصدر يدل على الزّيادة والنّماء من أصل المال [8].  رَبَا المالُ يَربُو: زاد.  وأرْبَاه الله تعالى،  وأربَتِ الحنطة:  أّراعت[9]. 
 يقال: رَبَا المال يَرْبو رَبْوا: إذا زاد وأرتفع، والاسم الرِّبا ـ مقصور، وهو في الشَّرع: الزيادة على أصل المال من غيرِ عقدِ تبايعٍ،...  ومنه الحديث: « من أجبى فقد أربى» [10])[11].

الهوامش:
[1] ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 848.
[2] نهج البلاغة: الحكم القصار 62، 362.
[3] ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 9 / 157
[4] ظ: منهاج البراعة: 9 / 263.
[5] نهج البلاغة: الحكم القصار 447، 417.
[6] ظ: في ظلال نهج البلاغة: 3 / 335.
[7] مقاييس اللغة:  2 / 483.
[8] ظ:  أساس البلاغة:  1 / 334.
[9] ظ:  لسان العرب (مادة ربو):  3  1573 .
[10] ظ:  التعريفات:  الجرجاني:  95.  وظ: النهاية في غريب الحديث والأثر:  344. 
[11]لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 86-89.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1688 Seconds