القائد والقيادة في عاشوراء بين الرؤية العسكرية والعقدية . الحلقة الأولى: معنى القيادة.

مقالات وبحوث

القائد والقيادة في عاشوراء بين الرؤية العسكرية والعقدية . الحلقة الأولى: معنى القيادة.

357 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 10-08-2022

بقلم : السيد نبيل الحسني الكربلائي.

«الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي لَا تُدْرِكُه الشَّوَاهِدُ ، ولَا تَحْوِيه الْمَشَاهِدُ ،ولَا تَرَاه النَّوَاظِرُ ،ولَا تَحْجُبُه السَّوَاتِرُ»[1] ، وصلواتهُ التامات الزاكيات على حبيبه محمد وعلى أهلِ بيته «أَسَاسُ الدِّينِ وعِمَادُ الْيَقِينِ ، إِلَيْهِمْ يَفِيءُ الْغَالِي وبِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي ، ولَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلَايَةِ ، وفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ والْوِرَاثَةُ»[2]، وسلم تسليما كثيرا.

أَمَّا بَعْدُ:
إنّ من البداهة بمكان أن يكون الحديث عن القائد والقيادة في عاشوراء مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالسماء ولعل نكران هذه الحقيقة عند بعض القراء الذين فرضت عليهم التنشئة الأسرية والاجتماعية والمناهل الثقافية مجموعة من المكونات الفكرية التي رسخت في أذهانهم تجرد قضية عاشوراء من محتواها القرآني والإلهي واتصالها بالسماء؛ إلا أن الرجوع إلى مجريات عاشوراء وما سبقها من أحاديث نبوية زخرت بها الكتب الإسلامية فضلاً عما تضافرت به الأحاديث من ذكرها للعديد من الآيات والكرامات التي رافقت المأساة منذ يوم عاشوراء وما بعده من الأيام كمطر السماء دماً([3])، وتحول تربة كربلاء عند أم سلمة إلى دم عبيط([4])، وما رفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط([5])، وسيلان الدم على حيطان بيوت الكوفة([6])، فضلاً عن تكلم الرأس الشريف لسيد الشهداء عليه السلام وتلاوته للقرآن وهو على الرمح([7]).
فهذه الآيات والكرامات التي رافقت مأساة كربلاء خير دليل يأخذ بعنق الإنسان للاعتقاد بأن عاشوراء مرتبطة بالسماء.

وعليه:
فقيادتها، وقائدها، وجندها، ونساؤها، وأطفالها، صور ترشد الناظر إلى حضارة القرآن والنبوة فكانوا أنموذجاً فريداً في تاريخ الرسالات لاسيما الرسالة المحمدية.

بمعنى آخر:
أن القائد والقيادة في عاشوراء كانت نسخة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في معاركه، كما كانت نسخة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو ما سنحاول أن نضعه بين يدي القارئ الكريم مستعينين بما توصل إليه الباحثون في المجال النفسي والعسكري لغرض الخروج بصورة نقية تحقق للقارئ رؤية فكرية جديدة حول الإستراتيجية الحياتية في عاشوراء سواء بجانبها العسكري أو المعنوي وكما عنونا لذلك في المسألة.

أولاً: معنى القيادة
يتباين معنى القيادة ومفهومها وسمات القائد بين الدراسات المعاصرة في المجال العسكري أو المدني عن معناها ومفهومها في القرآن والعترة النبوية لاسيما القيادة التي تمثلت في حروب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام خلال حروبه الثلاثة (الجمل، وصفين، والنهروان) وذلك للتطابق الكبير بين المعسكرين.

بمعنى:
أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كانت حروبه ترتكز لدى العيان على الاختلاف العقائدي الصريح والعلني بين المعسكرين، فكانت جميع حروبه صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين واليهود، أما الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فقد كانت حروبه الثلاثة وكما يعبر عنها البعض بالحروب الداخلية كبديل عن مصطلح الحروب بين المسلمين وهو ما أعطى تطابقاً في ساحة الطف يوم عاشوراء.
مما تطلب وجود تباين بين معنى القيادة والقائد وسماته بين النظرة العسكرية والمدنية، وفي علم النفس العسكري وبين ما أثبته الإمام علي عليه السلام في حروبه الثلاثة.
ولذا: سنعرض أولاً ما توصلت إليه الدراسات الحديثة في بيان معنى القيادة ومفهومها ثم نعرج إلى بيان أمير المؤمنين عليه السلام للقيادة وسمات القائد.
فقد ذهبت إحدى الدراسات إلى أن أساس المفهوم العام في تعريف القيادة يعتمد على فهم اصطلاح القيادة وتختلف التعاريف المحددة تبعاً للكاتب؛ وعلى أية حال، فإن القيادة، أساساً، هي: فن التأثير في الأفراد.

وهذا التعريف برغم قصره يدل على عملية أو نشاط، يتميز بفاعلية مستمرة، ويزود بالحافز، ويستلزم وجود القائد والأعضاء الآخرين في الجماعة؛ وهو يحدد القيادة بوصفها عملاً بدلاً من كونها مجموعة جامدة من الميزات الملازمة للفرد.
وعلى أية حال فإن هذا التعريف القصير، في نطاق التطبيق العسكري، ذو قيمة محدودة يسبب عدم فائدته، وهو غير شامل لدرجة كافية؛ فالقائد العسكري يؤثر في مرؤوسيه لأسباب معينة ويحث الأفراد للقيام بمهمة من مهام الوحدة، أو هدف من أهدافها، ضمن بيئة معينة ومن ثم فهناك تعريف أكثر ملاءمة للجندي وينص على ما يلي:
(القيادة هي فن التأثير في السلوك الإنساني بغية تحقيق مهمة بالأسلوب الذي يرغب فيه القائد)([8]).
ولا شك أن هذا التعريف لو عرض على عاشوراء لوجد أصحاب هذه الدراسة أن القيادة التي ظهرت للإمام الحسين عليه السلام وحجم تأثيرها في السلوك الإنساني ليس لها نظير لا في تاريخ الرسالات السماوية أو الأرضية على اختلافها.
ولعل النظر إلى الشعائر الحسينية لدى الشيعة تقطع الجدال حول تفرد هذه القيادة وحجم تأثيرها في السلوك الإنساني وسيجد المفكرون والفلاسفة والقادة والمصلحون حجم ما حققته هذه القيادة في تأثيرها على الجماعة في يوم عاشوراء وتفانيهم بين يديه وفي غير يوم عاشوراء وانبثق عنها وعن فكرها من ثورات وانتفاضات أطاحت بالعديد من الدكتاتوريات والطواغيت على مر التاريخ حتى بات شعار (لبيك يا حسين) شعاراً انتفاضياً على الذات والظلم وملهماً لنشر الإصلاح.

من هنا:
كان لمفهوم القيادة دلالات أخرى، وذلك لتداخلها وترادفها مع الإدارة والإمرة لاسيما ونحن نحاول أن نقدم صورة فكرية لما امتازت به كربلاء في يوم عاشوراء من احتوائها لإستراتيجيات عديدة لغرض بناء النفس الإنسانية، وإن كان هناك دماء زكية وطاهرة قد سقطت على هذه الأرض لأجل إرواء المبادئ التي جاءت بها هذه الملحمة الإنسانية.

ولذا:
(فإن أي تعريف لكلمة القيادة يثير مسائل تتعلق بعلم دلالات الألفاظ وتطورها، نظراً لأن الاصطلاحات (الإمرة)، (الإدارة)، (القيادة)، تتداخل على نطاق واسع في الاستعمال العسكري والمدني، وبالنسبة للكثير من الأفراد العسكريين يُعدّ الاصطلاحان (إدارة)، (قيادة) مترادفين وكذلك فالعاملون في الصناعة يفرقون قليلا وبصورة متكررة بين الاصطلاحين (إدارة)، و(قيادة)، وبالنسبة للكثير من الناس داخل القوات المسلحة وخارجها، فإن كلمة تعدّ تكرارا، المعادل العسكري لما يسميه المدنيون «إدارة»).
في القوات المسلحة، تحدد المهمة عادة من جانب السلطة العليا، وحين يؤثر القائد في الأفراد ويوجههم، فهو يلهم عن طريق الحصول على رغبة رجاله في العمل، وطاعتهم، وثقتهم، واحترامهم، وإخلاصهم، وتعاونهم؛ ومن جهة أخرى فإن كلمة (الإدارة) تعدّ علم استخدام الأفراد والأدوات في الإنجاز الاقتصادي الفعال للمهمة، وهي أحد العناصر المكونة للقيادة، ولكنها بصورة متكررة تعطي دلالة أقل حيوية وتميزا بالفاعلية المستمدة من كلمة (القيادة).
فالقائد ينبغي له أن يدير ويلهم، ويتردد البعض في قبول هذا التعريف مصرين على القول بأن الإدارة هي فن يشمل إلهام الأفراد ويستخدم رجال الصناعة هذا التفسير الثاني على نطاق واسع؛ ومهما يكن فمن الضروري أن يكون لدينا إطار عام يتخذ مرجعاً لأغراض البحث، ولأسباب أكاديمية تفسر الإدارة بكونها علماً إلى حد بعيد، أي تطبيقا نظاميا للتقنيات، و(القيادة) في القوات المسلحة هي أوسع مجالاً من التقنيات النظامية.

بينما يتعين على القائد الناجح أن يكون مديراً ماهراً، فإن القيادة تشمل أكثر بكثير من تقنيات الإدارة، والقيادة هي السلطة القانونية التي يمارسها القائد على مرؤوسيه، بفضل رتبته وتعيينه.
ولذلك، فإن القائد هو الرئيس الرسمي المعين للوحدة، وهذه الرئاسة تشمل عادة متطلب ممارسة القيادة لكن طبيعتها تعتمد على قدرة القائد كفرد أو سلوكه أو مهمته)([9]).
والمستفاد مما تقدم اشتراك مفهوم القيادة بالقائد وبتجانسهما في المعنى والدلالة لاسيما في المجال العسكري والحربي، وهو ما يتطابق كذاك بين المفهوم الذي جاء به القرآن والسنة واتحادهما في إلصاق صفة القائد في المواضع التي تتصف بالحرب والقتال والجند على الرغم من وجود بعض المواضع التي تشير فيها (القيادة)، و(القائد) إلى معنى الإمام و(الداعي) إلا أن المرتكز في الفكر الإسلامي في معنى (الإمام) هو المتصف بالشريعة سواء ما كان منها شريعة سماوية أو شريعة إنسانية وهو ما انطوى تحت معنى (إمام هدى) و(إمام ضلال).
كما نص عليه قوله تعالى بصفة الإطلاق المخصوص بالاعتقادات الفكرية لدى الناس جميعاً فقال سبحانه:
{يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}([10]).

من هنا:
حينما نأتي إلى المرتكزات الفكرية التي أسسها أمير المؤمنين الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام في معنى القيادة نجدها لا تنفك عن معنى القائد فهما ذو دلالة واحدة ومغزى واحد وإنهما متحدان في ظهورهما الخارجي، أي في المجال التصديقي في كونهما يستخدمان في الصنف العسكري بصورة خاصة.
أما في المجال العقدي فيبقى الإمام يقابل القائد، والإمامة تقابل القيادة؛ بمعنى: (القيادة) و(القائد) في عاشوراء قد جمع صفتين في آن واحد وهما (الإمام) و(القائد)، أي: ترتب الفكر العقدي، والفكر العسكري لدى أصحاب الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء، فقد تعلق بذمتهم الطاعة لسيد الشهداء بصفته (الإمام) وانعقد في نفوسهم الانقياد له عليه السلام بصفته (القائد) العسكري الذي يلزم طاعته واتباعه وعدم مخالفة أوامره، مما أعطى لهؤلاء الأصحاب عليهم السلام زخماً معنوياً فريداً لا يتماثل نظيره، إلا في تاريخ الرسالات وحياة الأنبياء عليهم السلام؛ ولاسيما ما كان في حياة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم في أثناء جهاده وقتاله أو ما كان في حياة أبيه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو ما سنتناوله في الحلقة الثانية[11].

 الهوامش:
[1] نهج البلاغة، الخطبة: 185 ، بتحقيق صبحي الصالح: ص269
[2] نهج البلاغة الخطبة: 2
([3]) كامل الزيارات: ص188؛ الثقات لابن حبان: ج5، ص487؛ تاريخ دمشق لابن عساكر: ج14، ص227؛ بغية الطلب في تاريخ حلب: ج6، ص2638.
([4]) الأمالي للشيخ الطوسي: ص232؛ مجمع الزوائد للهيثمي: ج9، ص196؛ المعجم الكبير للطبراني: ج3، ص113.
([5]) الإرشاد للشيخ المفيد: ج2، ص131؛ الهداية الكبرى للخصيبي: ص203.
([6]) تاريخ ابن عساكر: ج4، ص339؛ الصواعق المحرقة: ص116؛ ذخائر العقبى: ص145.
([7]) مناقب أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان الكوفي: ج2، ص268؛ البحار للمجلسي: ج45، ص121؛ الإرشاد للشيخ المفيد: ج2، ص117؛ الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي: ص333؛ الخرائج والجرائح للراوندي: ج2، ص577؛ المناقب لابن شهر: ج3، ص218؛ فيض القدير للمناوي: ج1، ص265.
([8]) تولي القيادة، تأليف صامويل هيز والمقدم وليم توماس: ص18.
([9]) تولي القيادة، تأليف: العقيد صامويل هيز، والمقدم وليم توماس: ص18 - 19.
([10]) سورة الإسراء، الآية: 71.
[11] لمزيد من الاطلاع ، ينظر: الاستراتيجية الحربية في معركة عاشوراء بين تفكير الجند وتجنيد الفكر ، السيد نبيل الحسني : ص 39-46 ،  إصدار العتبة الحسينية المقدسة ، ط 1/ مؤسسة الأعلمي –بيروت ، لسنة 2014م – 1435هـ

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1967 Seconds