من أغراض الدعاء في نهج البلاغة الحلقة الأولى/ الاثار التربوية للدعاء.

مقالات وبحوث

من أغراض الدعاء في نهج البلاغة الحلقة الأولى/ الاثار التربوية للدعاء.

227 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 23-01-2023

بقلم: الدكتور خليل خلف بشير

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

وبعد:
   لم يكن الدعاء وسيلة لإظهار التعبد والتذلل والخضوع لله سبحانه وتعالى فحسب بل أنه يحمل معاني عديدة منها:
أهداف تربوية: من المعروف أنّ الدعاء يؤدي دوراً مهماً في تربية النفوس البشرية وسوقها نحو مدارج السمو والرفعة والكمال ناهيك عما يشتمل عليه من فضائل أخلاقية ومعارف ربانية تسبغ بها النفس وتمنحها الهدوء والسكينة كما في قوله ((اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَيَّ بِالْمَغْفِرَةِ اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي وَلَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِي اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَانِي ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي اللهمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتِ الْأَلْحَاظِ وَسَقَطَاتِ الْأَلْفَاظِ وَشَهَوَاتِ الْجَنَانِ وَهَفَوَاتِ اللِّسَانِ))[1]فرصيد الإنسان هو النسيان فيقارف الكثير من الذنوب والمعاصي إلى درجة نسيانها وعدم الاعتذار إلى الله منها وطلب العفو والمغفرة أو الإصرار عليها وعدم الكف عنها فينبغي استحضار الذنوب والمعاصي وطلب العفو والمغفرة كما ينبغي التضرع إلى الله تعالى بغفران الذنوب المنسية التي يعلمها الله فضلاً عن العهود والمواثيق التي عاهد بها نفسه ولم يفِ بها[2]  ثم يطلب غفران ما يتقرب به إلى الله باللسان ثم يخالفه القلب ثم يعقبها بكلمات تبدو مترادفة المعنى، متساوقة في التعبير، متسقة في الوزن هي رمزات الألحاظ وسقطات الألفاظ، وشهوات الجنان وهفوات اللسان، وما هذه إلا الذنوب التي تقترفها جوارح الإنسان المتمثلة بالعين والقلب واللسان فرمزات الألحاظ هي إشارات العيون إلى عيوب الناس ومساوئهم، وسقطات الألفاظ لغوها أي ما ينطق به اللسان مما لا يُرضي الرحمن، وشهوات الجنان هي شهوات القلب أي ما يميل إليه القلب من متاع الحياة الدنيا وزينتها، وهفوات اللسان الكلام المحرّم الذي يقذفه اللسان من الغيبة والنميمة والبهتان والاستهزاء والسب والشتم والتهمة[3]. على أن الإمام (عليه السلام) لا يستغفر عن ذنب ولكن عن تواضع منه وتذلل لله سبحانه وتعالى، وكأنه يعّمنا كيف نتحدث مع الله بأننا إذا أذنبنا ثمّ تبنا، ثمّ أذنبنا، ومع ذلك فإن الله العارف بأننا خطّاءون؛ لأنّ شهواتنا وظروفنا تضغط علينا يريد منا إذا أذنبنا أن نتوب؛ لأنّ الله تعالى يقول[4]{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}-  الزمر/ 53.
ولما كان الدعاء سلاح الأنبياء والأوصياء والمؤمنين، ومخ العبادة، ودافعاً للبلاء لذا نجد أمير المؤمنين مواظباً على أدعية في أوقات معينة منها دعاؤه في الصباح الذي يقول فيه ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُصْبِحْ بِي مَيِّتاً وَلَا سَقِيماً وَلَا مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقِي بِسُوءٍ وَلَا مَأْخُوذاً بِأسْوَء عَمَلِي وَلَا مَقْطُوعاً دَابِرِي وَلَا مُرْتَدّاً عَنْ دِينِي وَلَا مُنْكِراً لِرَبِّي وَلَا مُسْتَوْحِشاً مِنْ إِيمَانِي وَلَا مُلْتَبِساً عَقْلِي وَلَا مُعَذَّباً بِعَذَابِ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِي أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوكاً ظَالِماً لِنَفْسِي لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ وَلَا حُجَّةَ لِي وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَيْتَنِي وَلَا أَتَّقِيَ إِلَّا مَا وَقَيْتَنِي اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ أَوْ أَضِلَّ فِي هُدَاكَ أَوْ أُضَامَ فِي سُلْطَانِكَ أَوْ أُضْطَهَدَ وَالْأَمْرُ لَكَ اللهمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي وَأَوَّلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي اللهمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ أَوْ أَنْ نُفْتَتَنَ عَنْ دِينِكَ أَوْ تَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ))[5])[6].

الهوامش:
[1]- المصدر نفسه،من كلمات كان يدعو بها 78،ص106-107.
[2] - ومثل ذلك في دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) في يوم الاثنين ((اللهم إني أستغفرك لكل نذر نذرته، وكل عهد عاهدته ثمّ لم أفِ به)) ينظر : الصحيفة السجادية131.
[3]-  ينظر : في ظلال نهج البلاغة / الشيخ محمد جواد مغنية 1/386،و نفحات الولاية 2/159.
[4]-  ينظر : علي ميزان الحق 300.
[5]- نهج البلاغة،من دعاء له كان يدعو به كثيراً 215،ص 384-385،و أدعية الإمام علي (عليه السلام)- الصحيفة العلوية 164،و165،وكذا أدعيته في أيام الأسبوع فلكل يوم دعاء خاص كما هو الحال في الصحيفة السجادية، ويبدو أن الإمام زين العابدين قد اقتدى بجده أمير المؤمنين (ينظر هذه الأدعية في : أدعية الإمام علي (عليه السلام)- الصحيفة العلوية343-378) ،وهناك أدعية شهرية لكل يوم من كل شهر دعاء خاص على مدار أشهر السنة من اليوم الأول من كل شهر إلى الثلاثين  (ينظر : أدعية الإمام علي (عليه السلام)-  الصحيفة العلوية 219-343).
[6]لمزيد من الاطلاع ينظر: من النتاج الفكري لأمير المؤمنين عليه السلام تفسيره المغيب للقرآن الكريم وادعيته العلوية للدكتور خليل خلف بشير، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 133-135.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1978 Seconds