من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام: قوله: «وضَلَّ في نَعْتِهِ مَنْ يُعَرِّفُهُ»

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام: قوله: «وضَلَّ في نَعْتِهِ مَنْ يُعَرِّفُهُ»

332 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 25-10-2022

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل – الجامعة المستنصرية

((الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي: «وضَلَّ في نَعْتِهِ مَنْ يُعَرِّفُهُ».
ورد هذا الفعل «ضَلَّ» مرَّةً واحدةً في الخطبة للدَّلالة على معناه اللُّغوي، إذ ما زال كلامُ أَمير المؤمنين (عليه السلام) في مقام بيان حال مَنْ يُريد أَنْ يصف هيئة الله ــ تبارك وتعالى ــ وجلاله، إذ قال (عليه السلام): «وضَلَّ في نَعْتِهِ مَنْ يُعَرِّفُهُ»، فهو جائز عن القصد، عادلٌ عنه، وهو إلى الضَّياع أَقرب منه إلى الهدى[1].
و«ضَلَّ» فعل ماضٍ مبنيٌّ على الفتح، و«في نعته» جارٌّ ومجرور متعلِّقان بالفعل (ضَلَّ)، و«مَن» اسم موصول مبنيٌّ في محلِّ رفع فاعل. وجملة (وضَلَّ في نعته) معطوفة على جملة (عجز في وصفه من يصفه).

يُعَرِّفُهُ
وأَصلُه مِنْ عَرَفْتُ، أَيْ: أَصَبْتُ عَرْفَهُ: أَيْ: رائِحَته، أَو مِنْ أَصَبْتُ عَرْفَهُ، أَي: خَدَّهُ، يُقال: عَرَفْتُ كذا. قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا)[2][3]. وعَرَفَهُ يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةً وعِرْفاناً وعِرفَةً، والمُعْتَرِفُ بالشَّيْء: الدَّالُّ عليهِ. وعَرَّفَه بِهِ: وَسَمَهُ، وتَعَرَّفَهُ المكان: تأمَّلَهُ[4]. والمعروف: اسمٌ لكلِّ فعل يُعْرَف بالعقل أَو الشَّرع حُسْنُهُ، والمنكر ما يُنكَرُ بهما. قال ــ تبارك وتعالى ــ : ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾[5])[6].

وقال الرَّاغب: «المَعْرِفَةُ والعِرْفَانُ: إدراك الشَّيء بتفكُّر وتدبُّر، وهو أَخصُّ من العلم، ويضادُّه الإنكار، ويُقال: فلان يَعْرِفُ اللهَ، ولا يُقال: يعلم الله متعدِّياً إلى مفعول واحد، لمَّا كان مَعْرِفَةُ البشرِ لله هي بتدبُّر آثاره دون إدراك ذاته، ويُقال: الله يعلم كذا، ولا يُقال: يَعْرِفُ كذا، لمَّا كانت المَعْرِفَةُ تُسْتَعْمَلُ في العلم القاصر المُتَوَصَّلِ به بتفكُّر... ويضادُّ المَعْرِفَةُ الإنكار، والعلم الجهل. قال: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثــُمَّ يُنْكِرُونَها) [النحل/ 83]» [7].

والعارف في تعارف الفلاسفة والمتكلِّمين: هو المختصُّ بمعرفة الله، ومعرفة ملكوته، وحُسْنِ معاملته تعالى، يُقال: عرَّفه كذا[8]. وبهذا المعنى ورد الفعل «يُعَرِّفُهُ» مرَّةً واحدةً في الخطبة؛ إذ قال أَمير المؤمنين (عليه السلام): «وَضَلَّ في نعته مَنْ يُعَرِّفُهُ».
و«يُعَرِّفُهُ» فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر، تقديره (هو) عائد إلى الموصول «مَنْ»، والهاء ضمير متّصل مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ نصب مفعول به، عائدٌ إلى الله ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ، والجملة «يُعَرِّفُهُ» صلة الموصول، لا محلَّ لها من الإعراب)»[9].

الهوامش:
[1]. ينظر: مطالب السؤول: 176، وكفاية الطالب: 56، ونهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: 2/84.
[2]. البقرة: 89.
[3]. ينظر: جمهرة اللغة: 1/421، وتهذيب اللغة: 1/273، والصحاح في اللغة: 1/462، والمحيط في اللغة: 1/91، ولسان العرب: 9/236، والمصباح المنير: 2/53، وتاج العروس: 1/6012.
[4]. ينظر: المحيط في اللغة: 1/91، والصحاح في اللغة: 1/462، ولسان العرب: 9/236، والمصباح المنير: 2/35، وتاج العروس: 1/6012.
[5]. آل عمران: 104.
[6]. ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 561، والتعريفات: 179.
[7]. مفردات ألفاظ القرآن: 560-561.
[8]. ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 561، والتعريفات: 179.
[9] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 104-106.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1956 Seconds