الأخلاق من نهج البلاغة: من هدي أمير المؤمنين عليه السلام/ من وصاياه وتعامله في الحرب

سلسلة قصار الحكم

الأخلاق من نهج البلاغة: من هدي أمير المؤمنين عليه السلام/ من وصاياه وتعامله في الحرب

244 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 08-07-2022

بقلم: الشيخ محسن علي المعلم

((الحمد لله كما هو أهله، والصلاة والسلام على هداة الخلق إلى الحق، محمد وآله الطاهرين))

وبعد:
إنّ مما يستوقف القارئ ويدعوه إلى التأمل هو تلك الوصايا والادعية والمراسلات التي كانت تصدر عن أمير المؤمنين عليه السلام في أوقات الحرب، فمن وصية له عليه السلام لعسكره قبل لقاء العدو بصفين:

لَا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللهِ عَلَى حُجَّةٍ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللهِ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، وَلَا تُصِيبُوا مُعْوِرًا، وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذًى وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالْأَنْفُسِ وَالْعُقُولِ، إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمشْرِكَاتٌ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ المَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفَهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ»[1].

وله سلام الله عليه ضراعة ومناجاة تأخذ بمجامع القلوب، محيرة الألباب، فأَقْبِلْ على الإصغاء إليها بروحك وعقلك، وكان ينقطع إلى ربه -وقلبه متعلق بجلاله في كل حال- إذا لقي العدوّ محاربًا:
«اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ، وَمُدَّتِ الْأَعْنَاقُ، وَشَخَصَتِ الْأَبْصَارُ، وَنُقِلَتِ الْأَقْدَامُ، وَأُنْضِيَتِ الْأَبْدَانُ، اللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْنُونُ الشَّنَآنِ، وَجَاشَتْ مَرَاجِلُ الْأَضْغَانِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وَتَشَتُّتَ أَهْوَائِنَا، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ»[2].
وللحرب في حياة الإمام خطوب جسام، ووقائع عظام، ونوازل فوادح، حصدت الأبطال، وأفنت الأعمار، وأخربت الديار، وضجّت وفزعت الأمة لها.

وتلك الفاجعة العظمى، والكارثة المنيخة والبلية الفقماء، فرأى الإمام j دعوة نصفًا تحد من استعار الحرب وتقي الأمة من الاستئصال، فكتب إلى مثيرها وقائدها ومؤجِّج نارها:
«وَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْحَرْبِ فَدَعِ النَّاسَ جَانِبًا وَاخْرُجْ إِلَيَّ وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ لِتَعْلَمَ أَيُّنَا المَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ وَالمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ، فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ قَاتِلُ جَدِّكَ وَأَخِيكَ وَخَالِكَ شَدْخًا يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ السَّيْفُ مَعِي، وَبِذَلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي، مَا اسْتَبْدَلْتُ دِينًا وَلَا اسْتَحْدَثْتُ نَبِيًّا، وَإِنِّي لَعَلَى الْمِنْهَاجِ الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ»[3].

وقد أرهبه الإمام j وأرعبه غير مرة وذكَّره بقتلى أسلافه العتاة المردة:
«وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلِأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلَّا السَّيْفُ فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عَنِ الْأَعْدَاءِ نَاكِلِينَ وَبِالسَّيْفِ مُخَوَّفِينَ، فَـ: لَبِّثْ قليلًا يلحقِ الهيجا حَمَلْْ[4].

فسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، ويَقْرُبُ مِنْكَ ما تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ، سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ المَوْتِ، أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ، وَقَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ، وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ»[5].

الطريفة:
«قال معاوية يومًا لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله، أيُّنا أدهى؟ قال عمرو: أنا للبديهة، وأنت للروية، قال معاوية: قضيت لي على نفسك، وأنا أدهى منك في البديهة، قال عمرو: فأين كان دهاؤك يوم رفعت المصاحف؟ قال: بها غلبتني يا أبا عبد الله، أفلا أسألك عن شيء تصدقني فيه؟ قال: والله إن الكذب لقبيح، فاسأل عما بدا لك أصدقك، فقال: هل غششتني منذ نصحتني؟ قال: لا، قال: بلى والله، لقد غششتني، أما إني لا أقول في كل المواطن، ولكن في موطن واحد، قال: وأي موطن هذا؟ قال: يوم دعاني علي بن أبي طالب للمبارزة فاستشرتك، فقلت: ما ترى يا أبا عبد الله؟ فقلت: كفؤ كريم، فأشرت عليَّ بمبارزته وأنت تعلم من هو، فعلمت أنك غششتني، قال: يا أمير المؤمنين، دعاك رجل إلى مبارزته عظيم الشرف جليل الخطر، فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين، إما أن تقتله فتكون قد قتلت قَتَّالَ الأقران، وتزداد به شرفًا إلى شرفك وتخلو بملكك، وإما أن تعجل إلى مرافقة الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، قال معاوية: هذه شر من الأولى ، والله إني لأعلم أني لو قتلته دخلت النار، ولو قتلني دخلت النار، قال عمرو: فما حملك على قتاله؟ ! قال: الملك عقيم، ولن يسمعها مني أحد بعدك»[6])[7].

الهوامش:
[1] نهج البلاغة، الكتاب 14/373.
[2] نهج البلاغة /373.
[3] نهج البلاغة كتاب 10/370.
[4] شطر من بيت، وهو مَثَلٌ يُضرب للوعيد بالحرب، أو يَضْرِبُه مَنْ ناصره وراءه، و(حَمَل) هو (حَمَلُ بنُ بدر) صاحب الغبراء في حرب داحس والغبراء، أُغير على إبله فاستنقذها. بحار الأنوار 33/73 (بتصرف).
[5] نهج البلاغة كتاب 28/388-389.
[6] أمالي الصدوق/69.
[7] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأخلاق من نهج البلاغة: الشيخ محسن علي المعلم، العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، ط1، ص 88-91.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1371 Seconds